علماء العقيدة، وغير مقبول أصلا عند القليل منهم حتى يتدعّم لاحقا بحصول ثان بطريق النظر المتحرّر [1] .
ب ـ الحرية في الإيمان بغير الإسلام
لئن كان الإسلام يدعو إلى الإيمان به إلا أنّ ذلك الطلب هو طلب على سبيل التخيير لا على سبيل الإلجاء بأي وجه من وجوه الإلجاء، فإذا ما اختار أي إنسان دينا غير الإسلام فإن الحرية مكفولة له في ذلك، سواء من حيث المعتقد أو من حيث ممارسة الشعائر التي يتطلبها ذلك المعتقد، وليس لأيّ إنسان مهما يكن له من سلطان فردي أو جماعي مادّي أو معنوي أن يحمل إنسانا آخر على اعتناق معتقد مّا بطريق الإكراه، لا بالتحمّل التصديقي، ولا بالاعتراف القولي، ولا بالممارسة العملية، فيبقى كلّ إنسان إذن حرّا في أن يعتنق من الدين ما يقتنع به ويرتضيه عن اختيار.
وقد جاءت نصوص القرآن الكريم في هذا المعنى قطعية في الدلالة بحيث لا يمكن أن يداخلها تأويل بأي وجه من وجوه التأويل، مما يدلّ على أن التشريع لحرية التدين جاء في الإسلام على وجه الحسم الذي لا مدخل فيه لنقض، وهو ما يبدو في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة/256) ، وفي قوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف/29) ، وفي قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس/99) إنّها آيات صريحة في حرية الاعتقاد وما يقتضيه من تعبّد، وفي عصمة الناس من الإكراه العقدي، حتّى أصبحت هذه الحرية أصلا من الأصول التشريعية فيما يتعلق بالحرية الدينية [2] .
ومما يلحق بهذا الأصل المشرع للحرية الدينية أنّ التشريع الإسلامي لا يكتفي في هذا الشأن بمنع الإكراه في الدين من قِبل المسلمين تجاه غيرهم، بل شرّع أيضا لمنع أيّ كان من غير المسلمين أن يكره غيره بأيّ وجه من وجوه الإكراه على أيّ معتقد من المعتقدات، ودعا إلى أن تكون حرّية المعتقد شأنا إنسانيا عامّا، وقد بلغ الأمر في هذا التشريع إلى حدّ محاربة المكرِهين غيرَهم على معتقَد مّا من المعتقدات ليخلّوا سبيلهم أحرارا في اختيار ما يشاؤون من دين ينتهون إليه بالنظر الحرّ، ولم تكن الحروب التي خاضها المسلمون من أجل تبليغ الدعوة إلاّ مندرجة تحت هذه الحال، إذ مقصدها الأعلى كان رفع ما أُكرهت عليه الشعوب من دين إكراها مادّيا أو معنويّا من قِبل حكّامها المستبدّين وكهّانها المتسلّطين، وجعلهم أحرارا يختارون ما يشاؤون من ديانات تُبسط لهم على سواء من أجل أن يختاروا منها ما يريدون، وهو خلاف ما يُدّعى من أنّ تلك الحروب إنما كانت لإكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وشاهده الباقي على مرّ
(1) اختلفت آراء الباحثين من علماء العقيدة في تقييم الإيمان إذا لم يكن ناشئا من تفكير حرّ كأن يكون موروثا عن تقليد، فذهب البعض إلى أنّه يعتبر إيمانا، وذهب آخرون إلى اعتباره إيمانا مع عصيان إن كان صاحبه قادرا على النظر الحرّ، واعتبره آخرون ليس بإيمان، وإليه مال الشيخ السنوسي. راجع في هذه الآراء: السنوسي ـ السنوسية الكبرى: 26 وما بعدها، ومحمد محيي الدين عبد الحميد ـ نتائج المذاكرة بتحقيق مباحث المسايرة: 343 وما بعدها، والنظام الفريد بتحقيق جوهرة التوحيد: 23.
(2) راجع في ذلك: راشد الغنوشي ـ الحرّيات العامّة في الدولة الإسلامية: 45، وممّا رواه الطبري ـ جامع البيان: 22 في سبب نزول آية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أنّها نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألا استكرههما فإنّهما قد أبيا إلاّ النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك. وقد استشكل بعض الباحثين التعارض بين هذا الأصل المثبت لحرّية الاعتقاد وبين جملة من الآيات التي تشرّع لقتال غير المسلمين من أجل الدين، وعند التحقيق يتبيّن أنّ هذه الآية ناسخة لبعض ما جاء من تلك الآيات، والبعض الآخر منها ليس القتال فيه مستهدفا الإكراه وإنّما هو لغايات أخرى كالدفاع عن النفس، وقد بيّن ذلك بتفصيل الإمام ابن عاشور ـ التحرير والتنوير: 3/ 25 وما بعدها.