فإنّ طبيعة المرجعية التي قامت عليها الحرية فيه تحمل القابلية لأن يصل إليه غدا، وثمّة من المؤشّرات الفعلية اليوم ما ينبئ باتجاه هذا الفكر في خصوص الحرية هذه الوجهة.
وعند المقارنة يتبيّن الفرق بين مرجعية الحرية الدينية في الإسلام، وهي المتأسّسة على الإلزام الديني الذي يقتضي الطاعة تقربا إلى الله تعالى، فيضفي عليها الثبات والديمومة، والدافعية إلى التنزيل السلوكي، والتوجه الإصلاحي عند وقوع الخلل، وبين مرجعيتها في الفكر الغربي، إذ هي متأسسة على موازين قوى ظرفية، فإذا ما اختلت تلك الموازين ربما انقلبت الحرية الدينية على أعقابها ليس في السلوك فحسب وإنما في المبدأ أيضا، وذلك الاختلاف الجوهري بين المرجعيتين هو الذي يمكن أن نفسر به كيف أن أهل الأديان والمعتقدات حافظوا على وجودهم في البلاد الإسلامية من يوم ظهر الإسلام إلى يوم الناس هذا، وكيف أن ملايين المسلمين في الأندلس لم يبق منهم شيء لما اجتاحها المد المسيحي، وخير فيه المسلم بين تنصّر أو قتل أو هجرة، ولا يبعد أن يُعاد هذا الأنموذج في أي لحظة من الزمن في نطاق الفكر الغربي كما دلّ عليه إرهاص ما وقع في البوسنة منذ بعض السنوات.
3 ـ التشريع الإسلامي للحرية الدينية
جاءت الشريعة الإسلامية تولي الحرية الدينية أهمية بالغة في البيان التشريعي، فأسّست لها أحكاما في غاية القطعية التي لا تحتمل تأويلا، لا من حيث قطعية ما ورد فيها من نصوص ولا من حيث قطعية الدلالة، حتى أصبحت الأحكام المتعلقة بهذه الحرية في غاية الوضوح، سواء ما تعلق منها بالحرية في حصول الإيمان الديني كما هو مطلوب في الإسلام، أو ما تعلق بفهم الدين وتأويله، أو ما تعلق باختيار دين آخر غير الإسلام واعتناق معتقداته وممارسة شعائره، ففي كل ذلك جاء تشريع الحرية فيه على درجة عالية من البيان.
أ ـ الحرية في الإيمان بالإسلام
جاء الإسلام يطلب من الناس الإيمان به، وجعل الإيمان بالمعتقات الغيبية على رأس هذا الطلب، إلا أن هذا الإيمان حُدّدت له طريقة في التحصيل تقوم على الحرية، وجُعلت تلك الطريقة المبنية على الحرية مقياسا للإيمان تقاس به درجة قوته وضعفه، بل جعلها بعض الباحثين مقياسا يقاس به الإيمان في القبول والردّ، وذلك بناء على ما تتوفّر فيه من أقدار الحرية في التحصيل.
وهذه الطريقة المشرّعة في تحصيل الاعتقاد هي النظر الاستدلالي الصادر عن فكر حرّ من كلّ القيود والمكبّلات الظاهرة والخفيّة، وذلك ما يحمله التوجيه القرآني المستمرّ في دعوته إلى الإيمان بالعقيدة إلى التأمّل والتدبّر والتفكّر في دواخل الأنفس وفي آفاق الكون للوقوف فيها على الأدلّة والشواهد المثبتة لتلك العقيدة، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} (يونس/101) ، وقوله في تقريع من تنكّب هذا المسلك الاستدلالي: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاَ} (الفرقان/44) .
وبذلك أصبح الإيمان المعتبر في الشرع هو الإيمان الحاصل بالنظر الاستدلالي المتحرر من القيود الموجهة إلى الإيمان على غير اختيار واع، وأما الإيمان الحاصل بغير ذلك النظر المتحرر كأن يكون حاصلا بوراثة، أو بمحاكاة غافلة، أو بوجدان إشراقي فإنه يكون في أقلّ الدرجات وإن كان إيمانا مقبولا عند أكثر أهل الرّأي من