الصفحة 9 من 28

لقد كانت الكنيسة تستبدّ على عقول الناس فتوجّهها في التفكير الوجهة التي تريد، وتمنعها من التفكير الحرّ لاكتشاف حقائق الكون الوجودية والطبيعية، ومارست في ذلك قهرا عظيما وصل إلى الإحراق بالنار لمن يتوصّل بفكره الحرّ إلى اكتشاف حقيقة من حقائق الطبيعة كحقيقة كروية الأرض ودورانها باعتبار أنّ ذلك يخالف التوجيهات الدينية، كما كانت تمارس ظلما اجتماعيا بالتسلّط القهري على حياة الناس في تدبير شؤونهم الخاصّة والعامّة، وظلما اقتصاديا بابتزاز الأموال وفرض الضرائب والإتاوات على الرقاب.

إنّ هذا الوضع الاستبدادي أدّى إلى نشوء ثورة تحرّرية ظهرت أوّل ما ظهرت في نزعة إصلاحية انبثقت من الكنيسة نفسها، وهي المتمثّلة في الثورة البروتستانتية التي حملت إصلاحات من داخل النظام الكنسي نفسه في اتّجاه التحرّر من القمع الفكري والاجتماعي الذي كانت تمارسه الكنيسة باسم الدين، وقد جوبهت هذه الثورة بمقاومة ضارية من قِبل حُرّاس الكنيسة المحافظين المتمسّكين بالاستبداد الفكري والاقتصادي والاجتماعي، وانتهى الأمر إلى صراع دام تمثّل في حروب طويلة بين المذهبين الكنسيين اللذين أصبحا دينين مختلفين، وقد امتدّت تلك الحروب التي أصبحت تعرف بالحروب الدينية على الرقعة الأوروبية بأكملها تقريبا، كما امتدّت على رقعة زمنية كادت تستغرق القرنين السادس عشر والسابع عشر.

لقد كانت لهذه الحروب الدينية آثار مدمّرة على المجتمع الأوروبي، بما أفضت إليه من انشقاقات اجتماعية عمّت بها الاضطرابات والفوضى، وهو الأمر الذي أفضى إلى نشأة نزوع عند الناس وعلى رأسهم المفكرون والفلاسفة إلى إنهاء هذا الصراع بإخراج كلّ من الطرفين المتصارعين وهما الحاملان للراية الدينية من ساحة الحياة الاجتماعية التي هي محلّ الصراع وموضوعه، وإيكال التدبير في شؤون الحياة العامّة إلى العقل لا إلى الدين بتأويليه المتصارعين، وبعد مخاض طويل انتهى الأمر إلى التوافق على هذا الأمر، فأُخرج الدين من أن يكون موجّها للعقل فانطلق في التفكير الحرّ، ومن أن يكون مدبّرا لشؤون الحياة الاجتماعية وأُوكل ذلك للتدبير العقلي المستقلّ عن الدين، وكانت تلك هي العلمانية بما تحمله من تحرّر فكري واجتماعي ناشئة من محضن صراعات دامية على أساس توافقي، وليست متولّدة من تفكير أيديولوجي أو نزوع أخلاقي على سبيل التأسيس الابتدائي [1] .

لقد كانت الحرية الدينية إذن في الفكر الغربي نتيجة لأحداث تاريخية معينة، وحلاّ لمشكلات تلك الأحداث، وذلك حينما توازنت قوى متصارعة، ولم يكن لأيّ منها قدرة على الحسم لصالحها، فرُئي أنّ هذه الحرية هي الحلّ لصالح الجميع، وهكذا كان منشأ الحرية منشأ ظرفيا، ومرجعيتها مرجعية ظرفية لا علاقة لها بالمبدئية المثالية العلوية الدائمة، وهو ما سيفضي حتما إلى الوضع الذي استقرّت به الحرية في أذهان الأوروبيين، وهو الوضع الذي تتصف فيه الحرية بالظرفية لا بالدوام، وبالوضعية لا بالعلوية الإيمانية ولا حتى الخلقية، واقترنت فيه بالمصلحة لا بالخيرية الذاتية.

إنها إذن مرجعية للحرية طبيعتها الظرفية والتغير مع تغيّر طبيعة الواقع وأحداثه؛ ولذلك فإنّ الحرية ذاتها تكون قابلة لأن تداخلها ازدواجية المعايير، ونسبية التنفيذ، فإذا كانت مطلوبة اليوم لظروف معينة وتوازنات قائمة، فإنها يمكن أن تصبح غدا منتهكة بوجه شرعي إذا ما تغيّرت تلك الظروف، واختلّت تلك التوازنات، فإذا الاستبداد هو المشروع والحرية هي المنكرة، وإذا لم يصل الفكر الغربي إلى هذا الوضع إلى حدّ الآن،

(1) راجع في ذلك: رفيق عبد السلام: الدين والسياسة في الغرب الحديث: 441

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت