إن البيئة بكل عناصرها تخضع لقانون التوازن، وهو نظام لا يقبل العبث أو النقص أو التعديل، فلا تقوم بوظائفها على الوجه الأكمل إلا في ظل هذا القانون، وأي خلل في عنصر من عناصره يؤدي إلى خلل وظائف البيئة.
ولهذا فإن الحديث عن الأرض كأحد مصادر البيئة الرئيسة لا يمكن فصله عن الماء والهواء وغير ذلك، بسبب التشابك المعقد بين هذه العناصر، قال الله تعالى: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} [1] ، وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [2] وقال أيضا: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [3] ، وقال: {وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} [4] .
إن هذه الآيات وغيرها تدل بوضوح على أن كلَّ موارد البيئة الحيّة كالحيوان والنبات، وغير الحيّة كالهواء والماء والتربة تخضع لقانون التوازن، وأنَّ كلَّ شيء في الكون ثابت وموزُون ومقدَّر، وعليه فأي اعتداء على عنصر من عناصرها هو اعتداء على جميع عناصرها لأنه سيؤدي لا محالة إلى اضطراب في وظائف هذه العناصر، وتختلّ معها العلاقات التفاعلية التبادليِّة بينها، ومن ثَمَّ تتحول عناصرها البيئية من عناصر مفيدة إلى عناصر ضارة مسببة للكثير من الأخطار التي تهدد مستقبل مسيرة الحياة [5] .
المطلب الثاني
فكرة المحميات الطبيعية
من روائع ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدريب المسلم إذا أحرم بالحج أو العمرة أن يحترم حيوانات البيئة ونباتها، فلا يحلّ قتل صيدها، ولا قطع شجرها، كما جعل من منطقة الحرم في مكة (بيئة محمية) فلا يُمَسَّ فيها حيوان إلا المؤذي، ولا نبات إلا ما اقتضته الضرورة.
يدل على ذلك ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ الله حَرَّم مكَّة، وفيه: لا يُخْتَلى خَلاَها، ولا يُعْضَدُ شَجَرها، ولا يُنَفَّرُ صيدها، قال العباس: إلا الإذخر) [6] .
وإذا كان حرم مكة قد أجمع عليه عند العلماء، فإن المدينة المنورة هي أيضا حرم عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت المدينة ما بين لا بيتها، لا يقطع عُضَاها، ولا يصادُ صيدها) [7] .
(1) سورة الحجر، الآية: 19.
(2) سورة السجدة، الآية:7.
(3) سورة القمر، الآية: 49.
(4) سورة الزخرف، الآية: 11.
(5) ينظر: كتاب قضايا البيئة من خلال القرآن والسنة للدكتور محمد السيد جميل ص59.
(6) رواه البخاري (112) ، ومسلم (1353) ، وقوله: (لا يختلى خلاها) معنى الخلاء: الرطب، واختلاؤه: قطعه واحتشاشه، وقوله: (لا يعضد شجرها) أي لا يقطع، وينظر: فتح الباري 4/ 48.
(7) رواه البخاري (2023) ، ومسلم (1360) ، واللفظ له، والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، ينظر: فتح الباري 1/ 158.