الصفحة 18 من 27

فهذه الشكوى تشير إلى الرَّحمة بالحيوان، وحسن الرِّعاية من الإنسان به، ومعنى (تُدْئِبهُ) : أي تُتْعِبهُ بكَثْرة استخدامه واستعماله [1] .

وعَنْ شدَّادِ بنِ أَوْسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (إنَّ الله كَتَب الإحْسَانَ على كُلِّ شَيءٍ، فإذا قتلتم فأَحْسِنوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتم فأَحسِنوا الذَّبْحَةَ، وليُحِدَّ أَحَدُكُم شَفْرَتهُ، وليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [2] .

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: (مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على رَجُلٍ وَاضِعٌ رِجْلَهُ على صَفْحَةِ شَاةٍ وَهُو يَحُدُّ شَفْرتهُ وَهِي تَلْحَظُ إليهِ بِبَصَرِها، فقالَ: أَفَلا قَبْلَ هَذا، تُرِيدُ أنْ تُمِيتَها مَوْتَتَيْن) [3] .

ومِنْ ذَلِكَ نَهى عليه الصلاة والسلام عن إنهاك الحيوان بالجلوس على ظهره دون حاجة لوقت طويل، فقال: (إيَّاكم أن تَتَّخذوا ظُهُور دَوَابِّكم منابر، فإنَّ الله إنما سَخَّرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بِشقِّ الأَنفس، وجعل لكم الأَرض، فعليها فاقضوا حاجتكم) [4] .

5 -ومن أَسَالِيبه صلى الله عليه وسلم في رعاية الحيوان أنه عليه الصلاة والسلام حثَّ على تنمية الثروة الحيوانية وإكثارها، وذلك لما في ذلك من إصلاح أَحوال الناس في مَعَاشِهم، إذ أنَّ الحيوانَ لا يستغني عنه الإنسان في غِذَائه وقَضَاءِ مَصَالِحه، ومن الأحاديث في ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم لأُمِّ هَانئ: (اتَّخِذوا الغَنَم فإنَّ فيها بَرَكةً) [5] .

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عنها قالتْ: (كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي باللَّبَنِ قالَ: كَمْ في البَيْتِ؟ بَرَكَةً أَو بَرَكَتَيْنِ) [6]

فَوْصَفُه صلى الله عليه وسلم الغَنَم بالبركةِ يَدُلُّ على المنفعة الحاصلة بتربية الأَغْنَام، وتَنْمِيتها حيث يستفيد منها الإنسان: اللَّبن، واللحم، والصوف، والجلد، وكُلُّها من لَوَازمِ حياةِ الإنسان.

وعَن عروة البَارِقي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيها الخَيْرُ إلى يومِ القِيَامةِ) [7] .

إنَّ هذه الأَسَالِيب والإجراءات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية البيئة الحيوانيِّة كان لها أثر كبير في توجيه أنظار الأمة إلى أهمية الحيوان، ورعايته رعايةً تامة بحيث شَمِلت كلَّ أنواع الرِّعاية وأصنافها المختلفة.

وكأثرٍ عن هذه التوجيهات النبوية نَجِد الفقهاء شاركوا أيضا في هذه الرِّعاية، إذ دَوَّنوا ما يتعلق بأمورِ الحيوان من أَحْكَامٍ وِفْق تَوْجِيهَاتِ النُّصوص الشرعيَّة، فتحدَّثوا عن الرِّفق بالحيوان، والنفقة عليه، ومن امتنع من الإنفاق أجبر عليه عند الجمهور ديانة

(1) ينظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود 7/ 159.

(2) رواه مسلم (1955) .

(3) رواه الطبراني في المعجم الأوسط 4/ 53، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 42: رجاله رجال الصحيح.

(4) رواه أبو داود (2557) .

(5) رواه أحمد6/ 424، والطبراني في المعجم الكبير 24/ 426.

(6) رواه أحمد 6/ 145، وإسناده ضعيف.

(7) رواه البخاري (2695) ، ومسلم (1873) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت