وزِرَاعتها، يدل على ذلك ما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مِنْ أَعْمَر أَرْضَا لَيْسَتْ لأَحدٍ فهو أَحَقُّ بها) [1] .
3 -وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْيا أَرْضَا مَيْتَةً فَهِي له) [2] .
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية إحياء الأرض، وعدم تركها بلا استثمار، وهو ما يسمى عندهم بباب إحياء الموات، فالأرض يجب أن تُسْتَغلَّ حتى تُوفِّر الزَّرع للإنسان، وقال الحافظُ ابن حجر رحمه الله: (إحياءُ الموات أن يعمدَ الشَّخْص لأَرض لا يَعْلَم تقدِّم مِلْك عليها لأحدٍ فَيُحْيِيها بالسِّقي، أو الزَّرع، أو الغَرْس، أو البِنَاء، فَتَصِيرُ بذلك مِلْكَه، سواءٌ كانت فيما قَرُب مِن العِمْرانَ أَم بَعُد، سواء أَذِن له الإمَامُ في ذلك أم لم يأذنْ، وهذا قول الجمهور، وعن أَبي حَنِيفةَ: لا بُدَّ من إذنِ الإمام مُطْلقا، وعن مالك: فيما قَرُب، وضابط القُرْب ما بأهل العمرانِ إليه حاجة من رَعْيٍّ ونحوه) [3] .
بل إنَّ الأمر بالإحياءِ لَمْ يَقْتَصِر على الأرض الزِّراعيّة بل تعدَّاه إلى استثمار الثروات المعدنيَّة المُهْمَلة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ) [4] .
4 -ومِن الأَسَالِيب النبويِّة في التَّشْجِيع على الزِّراعة: حَثُّ النبي صلى الله عليه وسلم على أنْ يُوَاسِي أصحابَهُ بَعْضَهُم بَعْضا في الزِّراعة، كما جاءَ في حَدِيث جَابِر بن عبد الله رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْها، أو لِيَمْنَحْها أَخَاه، فإنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) ، وفي رِوَايةٍ: (فَلْيَهَبْها أَو يُعِيرَها) وقَد عَقَد الإمام البُخاري رحمه الله في صحيحه الترجمةَ لهذا الحديث بقوله: (بابُ ما كانَ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُوَاسِي بَعْضُهُم بَعْضا في الزِّرَاعةِ والثَّمَرةِ) [5] .
قالَ الحافظ ابن حجر: والمُرادُ بالمُوَاسَاةِ: المشاركةُ في المال بغير مُقَابِلٍ [6] .
5 -ويبلغ الأمر النبوي الشريف غايته في الحثِّ على الزِّراعة عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بممارسة الزراعة، والقيام بغَرْس الغِرَاس حتى وإن كان يظن أن أحدًا لن يستفيدَ مِنْ زِرَاعته أو غَرْسه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) [7] .
(1) رواه البخاري (2210) .
(2) رواه أبو داود (3073) ، ورواه البخاري معلقا (2210) .
(3) فتح الباري 5/ 18.
(4) رواه أبو داود (3026) ، وأحمد 1/ 306.و (القبلية) موضع بين مكة والمدينة، وقوله: (جلسيها) -بفتح الجيم وسكون اللام -نسبة إلى جلس بمعنى، (غوريها) -بفتح الغين وسكون الواو- نسبة إلى غور، بمعنى المنخفض، والمراد: أعطاها ما ارتفع منها وما انخفض، وقوله: (قُدْس) -بضم القاف وسكون الدال المهملة بعدها سين مهملة- هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع، ينظر: عون المعبود 8/ 217.
(5) صحيح البخاري (2215) .
(6) فتح الباري 5/ 23.
(7) رواه أحمد 3/ 191، والبخاري في كتاب الأدب المفرد (479) من حديث أنس رضي الله عنه. ولا شك أن هذا الحديث له معنى عظيم في أن يجتنب المسلم الشعور باليأس، وأن يملأ نفسه ثقة وأملا بالله تعالى، ويجعله مغتنما لفرص الحياة حتى اللحظة الأخيرة.