أهمية هذه التوجيهات والإرشادات النبوية، إذ يُمكن أن يقاس عليها كل موضع من الأرض يتعرَّض لأي صورة من صور تلويث البيئة مهما تعددت صوره، وتنوّعت أشكاله، كما أن هذه التوجيهات يمكن أن تكون قاعدة عامة، ومرشدا للأمة لكي تتحرك نحو إنشاء قوانين وأنظمة تعالج كل تجاوز يضرُّ بالبيئة، ويحافظ على سلامتها من التلوّث.
المبحث الثاني: رعاية عناصر البيئة البرّية في الإسلام، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: رعاية البيئة النباتية.
المطلب الثاني: رعاية البيئة الحيوانية.
المطلب الأول
رعاية البيئة النباتيّة
يعدُّ النباتُ من أَهَمِّ عناصرِ الحياةِ الأساسيِّة للإنسان والحيوان، فما هو يا ترى هدي الإسلام في رعاية البيئة النباتية؟
المُطَّلِع على الهدي النبوي في هذا المجال يجد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب في زرع النبات، وحثَّ عليه، واتخذ لذلك أساليب متعدّدة، منها:
1 -عدَّ الزِّراعةَ عبادةً يتعبَّد المسلم بها، إذ جعلَ الفَائِدة الحاصلة منها من باب الصَّدقات التي يُؤجر المرءُ عليها، سواء كانت هذه الفائدة تَخُصُّ الإنسان أم تعود على الحيوان، وهذا الأَجر يستمر لصاحبه ما دام الغَرْس والزَّرع وما تولد منه قائما إلى يوم القيامة.
يدلُّ على ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِن مُسْلم يَغْرِس غَرْسا أو يَزْرَعُ زَرْعا فيأكلُ منه طَيْرٌ، أو إنسانٌ، أو بهيمةٌ إلاَّ كان له به صدقة) [1] .
وعَنْ جابر بن عبد الله رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْسًا إلاَّ كانَ ما أَكلُ منهُ صَدَقةً، وما سُرِقَ مِنْهُ له صَدَقةٌ، وما أَكَلَ السَّبُع منه فَهُو له صَدَقة، وما أَكَلِت الطَّيْرُ فَهُوَ له صَدَقةٌ، ولا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلاَّ كانَ له صَدَقةٌ) [2] .
وعَنْ جَابِرٍ أيضًا (أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلَّم دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأَنْصَارِيَّةِ في نَخْلٍ لَها، فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَنْ غَرَسَ هذا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمّ كَافِرٌ؟ فقالتْ: بلْ مُسْلِمٌ، فقالَ: لا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، ولا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَاكُلُ منهُ إنْسَانٌ ولا دابَّةٌ ولا شَيءٌ إلاَّ كانتْ له صَدَقةٌ) ، وفي رواية: (إلى يومِ القِيَامةِ) [3] .
قالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: (وظَاهِر الحَدِيث أنَّ الأَجْر يَحْصِل لِمُتعاطي الزَّرع أو الغَرْس ولو كان مِلْكَه لِغَيْره وفِي الحَدِيثِ فَضْلُ الغَرْسِ والزَّرْعِ، والحَضُّ على عَمَارةِ الأَرْضِ، ويُسْتَنَبْطُ منهُ اتِّخَاذُ الضَّيْعَةِ والقِيَامُ عَلَيها) [4] .
2 -ومِن الأَسَالِيب المُتَّخَذة في ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رَغَّب في الزِّراعة عن طريق تَقْدِيم الحوافزِ الدُّنيوية، وذلك من خلال تَمْلِيك الأَرْض لمن يعمل على استصلاحها
(1) رواه البخاري (2195) ، ومسلم (1553) .
(2) رواه مسلم (1552) .
(3) رواه مسلم (1552) .
(4) فتح الباري 5/ 4.