الفصل الثالث
رعاية البيئة البرِّية في الإسلام
تمهيد:
تشمل البيئة البرِّية كل مظاهر الحياة النباتية والحيوانية على اليابسة والماء، فهي من الأنظمة الحيويّة، ذاك لأن اعتماد الإنسان وغيره من الكائنات الحيّة على الثروة النباتية، والثروة الحيوانية، فما هي يا ترى وجوه رعاية البيئة البرية في الإسلام؟
للجواب عن هذا السؤال يتطلب منا البحث في عدة قضايا، سأجعلها في مبحثين:
المبحث الأول: نظافة البيئة البرّية، وحمايتها من التلوث في الإسلام.
المبحث الثاني: رعاية عناصر البيئة البرّية في الإسلام، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: رعاية البيئة النباتية.
المطلب الثاني: رعاية البيئة الحيوانية.
المبحث الثالث: مصادر تهديد النظام البيئي البري.
المبحث الأول
نظافة البيئة البرية، وحمايتها من التلوث في الإسلام
وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تفيد ضرورة أن يتوجه المسلمون إلى أهمية نظافة البيئة، وحمايتها من التلوُّث:
1)لعل من أروع ما يطالعنا في هذا المجال أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ النظافة شعبةً من شعب الإيمان، وجزءا من عقيدة المسلم التي يجب أن يتمثَّلها واقعا عمليّا في حياته، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ) [1] .
2)كما أنه صلى الله عليه وسلم جعلَ النَّظافة عبادةً من العبادات التي يتقرَّب الإنسانُ بها إلى الله عز وجل فقال عليه الصلاة والسلام: (وإمَاطَتُكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقةٌ) [2] .
وكلمة الأَذى كلمة عامَّة، وعليه فكُلُّ ما يُؤذي النَّاس في صحتهم يدخل في مفهوم الأَذى الذي يؤمر المسلم بإزالته، والتخلص منه، قال الإمامُ النوويُّ رحمه الله: (هذه الأحاديثُ المذكورة في الباب ظَاهِرة في فَضْلِ إزالةِ الأذى عن الطريق، سواء كان الأذى شجرةً تؤذي، أو غصنَ شوك، أو حجرا يعثر به، أو قَذْرا، أو جَيِفةً وغير ذلك، وإماطة الأذى عن الطريق من شُعب الايمان) [3] .
وقال العيني في عمدة القاري: (واعلم أنَّ الشخص يُؤجر على إماطةِ الأذى وكلِّ ما يُؤذي الناس في الطَّريق، وفيه دِلاَلةٌ على أنَّ طَرْح الشَّوْك في الطريق، والحجارة، والكُناسة، والمياه المفسدة للطرق، وكل ما يُؤذي الناس يُخشى العقوبة عليه في الدُّنيا والآخرة، ولا شك أن نزع الأَذى عن الطريق من أعمال البر، وأنَّ أعمال البر تُكَفِّر السيئات، وتُوجب الغُفْران، ولا ينبغي للعاقل أن يَحْقِر شيئا من أعمال البر ... الخ) [4] .
(1) رواه مسلم (35) من حديث أبي هريرة.
(2) رواه البخاري (2827) ، ومسلم (1009) من حديث أبي هريرة.
(3) شرح النووي على صحيح مسلم 161/ 171.
(4) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري للعيني 13/ 23.