-إن قياس التورق بالربا، قياس مع الفارق، لأن الربا مبادلة نقد حال بنقد آجل مع زيادة، بينما التورق المصرفي شراء سلعة وتملكها، ثم توكيل البنك ببيعها لطرف ثالث غير المشتري الأول.
-لا يسلم لهم ربط تحريم التورق المصرفي بمشاكل تتعلق بالطرق الإجرائية لعقود التورق، لأن المسائل الإجرائية يمكن ضبطها من خلال اشتراط تحريك السلعة مثلا، وإذا كانت المشكلة في المسائل الإجرائية، فينبغي أن يتوجه النقد للطرق الإجرائية لا أصل الحكم في المسألة.
-إن استدلالهم بأن التورق المصرفي يكرس هيمنة المصارف الربوية وكذا الإقتصاد الغربي الربوي، استدلال غير دقيق كونه لا يراعي واقع الإقتصاد العالمي، ولا يستحضر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملاته. فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع المسلمين وغير المسلمين ممن كانوا يتعاملون بالربا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، وهو ما يعني أن هذه المصارف لم تربط وجودها بإنهاء وجود المصارف الغربية ولا ببوار الإقتصاد الغربي، وإنما أنشئت لتقدم بديلا نموذجيا للإقتصاد الغربي عله يراجع منظومته، ويصحح مساره.
رأي الباحث في التورق المصرفي
بعد العرض النقدي لمصطلح التورق وبحث صلته بالعينة، وبعد بحث المقدمة الأصولية التي قام عليها خلاف العلماء في التورق المصرفي المتمثلة في الذرائع، وكذا بحث الأدلة التفصيلية للمجيزين والمانعين، يتبين للباحث أن الراجح في حكم التورق المصرفي هو عدم الجواز، ويستند الباحث في عدم جواز التورق المصرفي إلى ما يأتي:
1)إن التورق المصرفي (المنظم) يتفق ودلالات العينة في دفع كثير مؤجل بقليل معجل، وهو صورة واضحة من صور العينة التي أوردها حتى من فرقوا ـ وهم الحنابلة ـ بين التورق والعينة. والنصوص التي أوردتها في بيان صور العينة واضحة بأن كل المذاهب تدرج التورق المنظم ضمن صورة العينة الثانية والخامسة. وحرمة العينة مذهب جمهور العلماء، وحديث حرمة العينة عند التحقيق صحيح، وترجيح تفسير حديث" «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» بالعينة هو المتعين في نظر الباحث، وآثار السلف في تحريم العنية هي الراجحة."
2)إن وجود الاختلاف بين العلماء في المسائل الفقهية لا يلغي التحقيق فيها، لأنه مذهب جميع العلماء بما فيهم القائلين بتصويب المجتهدين. وعليه فاعتبار مقاصد الشرع ومنع الحيل والذرائع التي يترجح إفضاؤها إلى الحرام هو ما يجب اعتباره هنا، لا لأنه مذهب جمهور العلماء المتقدمين والمعاصرين فحسب، وإنما لأنه كذلك ينسجم واعتبار روح الشريعة ومراعاة قواعدها الكلية لاسيما قاعدة الأمور بمقاصدها. وقد أحسن ابن القيم عندما قال:"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها معتبرةً بها؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقُرُبات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، و تثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه" [1] . وعلى فرض اعتبار خلاف الشافعي وابن حزم في الذرائع، فإن محل النزاع في مسألة الذرائع في مذهبهما هو فيما إذا لم يظهر قصد الحرام في
(1) ابن القيم: أعلام الموقعين، ص558.