المبحث الثالث
دراسة نقدية للأدلة الشرعية
المطلب الأول
أدلة القائلين بالتورق المصرفي [1]
إن التحديد الدقيق لأسماء المجيزين للتورق المصرفي من خلال البحوث المتقدمة غير ممكن، كون القائلين به في بداية الأمر بنوا رأيهم على جواز التورق الفردي، ولم تظهر لهم تداعيات تطبيقات المصارف الإسلامية لهذا التورق، وهو ما جعل كثيرا منهم ـ وعلى رأسهم المجمع الفقهي ـ يحدث فتواه بناء على التطورات التي ظهرت جراء تطبيقاته المصرفية، وهو ما يجعل تحديد القائلين به يحتاج إلى تحديث مستمر، وعليه فإني لن أهتم بإحصاء القائلين به، وإنما سأحاول تلخيص أدلتهم وأدرسها دراسة نقدية، وجدير بالتنبيه أن الذين قالوا بجواز التورق المصرفي قالوه تبعا لتجويزهم التورق الفردي الذي أجازه المجمع الفقهي ببعض الشروط [2] ، وقد استدلوا على جوازه بما يأتي:
1)إن التورق يدخل في عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: 275) فالتورق نوع من البيع الداخل في عموم الآية التي أحلت البيوع بكافة صورها إلا ما جاء الدليل على تحريمه، فهو من عموم البيوع التي أحلها الله، ولم يرد دليل صريح على تحريمه.
2)ما روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [3] ووجه دلالتهم بهذا الحديث أن الشيء قد يكون محرما لعدم اتفاق صورته مع صيغته الشرعية، فإذا استطعنا أن نخرجه إلى صيغة شرعية مقبولة أصبح مباحا، والتورق صيغة بيع صحيح مشتمل على شروطه وأركانه ومنتفية عنه أسباب الفساد والبطلان، وغايته الحصول على السيولة النقدية ليتجنب الناس الوقوع في الربا."
3)إن الأصل في المعاملات الحل إلا ما قام الدليل على منعه، ولا يعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة، وعليه فالذي يقول بالجواز غير مطالب بالدليل، وإنما الذي يطالب بالدليل من يمنع بيع التورق، لأنه خروج عن الأصل.
4)إن التجار يقصدون من معاملاتهم التجارية الحصول على نقود أكثر بنقود أقل، ويكون المبيع هو الواسطة بينهما، ولم يقل أحد إن التاجر إذا كان يقصد بتجارته الحصول على نقد أكثر إن هذه التجارة تكون مكروهة فكذلك التورق، فإن المقصود
(1) انظر، عبد الله المنيع: التأصيل الفقهي للتورق في ضوء الإحتياجات التمويلية المعاصرة، ج2، ص446 وما بعدها. ومحمد العلي القري: التطبيقات المصرفية للتورق ومدى شرعيتها ودورها الإيجابي، حولية البركة العدد الخامس، ص94 وما بعدها، محمد عبد الغفار الشريف: التطبيقات المصرفية للتورق: مشروعيتها ودورها الإيجابي والسلبي، حولية البركة العدد الخامس، ص89.
(2) اشترط المجمع الفقهي لجواز التورق الفردي، ألا يبيعها المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول، لا مباشرة ولا بالواسطة. انظر قرار المجمع الفقهي في التورق في الدورة الخامسة عشرة.
(3) انظر، صحيح البخاري، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم 2201، وصحيح مسلم، باب بيع الطعام مثلا بمثل، (الرياض، دار السلام للنشر والتوزيع، ط2، 2000م) ، حديث رقم4081.