الصفحة 17 من 29

? ما روي عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الطاعون: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه) [1] .

قال ابن حجر: (وفي هذا الحديث جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة أو سد الذريعة) [2] .

وإذا كان في هذا الحديث دلالة على أنه ينبغي على المسلم أن يتعاطى الأسباب الموجبة لنجاته من الهلاك بإذن الله تعالى، وأن يبتعد عن ضدها، فإن التداوي بالجراحة ونحوها في الحالات المرضية المستعجلة من أهم الأسباب الموصلة بإذن الله تعالى لشفاء المريض من مرضه، كما أن امتناعه عن التداوي يعد أيضًا من أهم الأسباب المعينة على هلاكه وتلفه [3] .

سادسًا: سقوط إذن المريض الرافض للعلاج في الحالات المستعجلة

تحصل مما تقدم أن الإذن الطبي يرجع في أصله إلى إذن الشارع بالتداوي، ولذلك فهو لا يعد من حقوق العبد الخالصة، وإنما من الحقوق المشتركة بينه وبين الخالق عز وجل. كما تبين لنا وجوب التداوي بالجراحة ونحوها في الحالات المرضية المستعجلة، التي يكون ترك المداواة فيها إهلاك للنفس.

إذ من يكون حق الشارع في إعطاء الإذن الطبي بالعلاج هو الأغلب، وعليه فليس من حق المريض الامتناع عن إعطاء هذا الإذن، وإذا أصر على الامتناع فإن حقه في الإذن يسقط بحكم الشرع، لأنه إذا رضي بإسقاط حقه في التداوي لحفظ نفسه من الهلاك فإنه لا يملك إسقاط حق الشارع في حفظ هذه النفس، إذ من المقرر في شريعة الإسلام أن صيانة الإنسان لحياته وعقله وصحة بدنه عن الإفساد، وصيانة ماله عن الإتلاف والتضييع في غرض مشروع من الحقوق التي لا تقبل الإسقاط لما فيها من حق لله تعالى، وهو المحافظة على هذه النعم التي بها بناء الحياة وعمارة الدنيا، يقول الإمام القرافي في الفروق: ( ... فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضيع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه، وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر وتضييعه من غير مصلحة ... إلى أن قال: فهذه كلها وما يلحق بها من نظائرها مما هو مشتمل على مصالح العباد حق لله سبحانه وتعالى، لأنها لا تسقط بالإسقاط وهي مشتملة على حقوق العباد، لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم وأكثر الشريعة من هذا النوع) [4] .

هذا أمر، وأمر آخر وهو أن الحالة المرضية المستعجلة إذا تركت دون علاج فإن صحة المريض تتدهور وتزداد سوء، وقد ينتقل وضع المريض من حالة مرضية مستعجلة إلى حالة مرضية طارئة، وهي الحالة التي أصدر المجمع الفقهي الإسلامي الدولي قراره رقم (172/ 10/18) بجواز اتخاذ التدابير والإجراءات الطبية اللازمة دون حاجة إلى أخذ موافقة المريض أو وليه.

(1) البخاري: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، حديث رقم (5289) .

(2) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري جـ10 ص187.

(3) د. محمد الشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية ص259 - 260.

(4) القرافي: الفروق جـ1 ص141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت