لكل داء دواء، ونحن نجد كثيرًاُ من المرضى يداوون فلا يبرءون، فقال: إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدواء، وهذا واضح) [1] .
ومن الناحية الطبية يكون العلاج في أغلب حالاته بوصف الأدوية والعقاقير الطبية، ويكون في حالات أخرى بالجراحة الطبية بأنواعها المختلفة، ووسائل العلاج على اختلافها يمكن تقسيمها بالنسبة لإزالتها للمرض عن جسم الإنسان قوة وضعفًا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وسائل علاج مقطوع بحصول ثمرتها في إزالة المرض وحصول الشفاء.
القسم الثاني: وسائل علاج موهوم بحصول ثمرتها في إزالة المرض وحصول الشفاء، وذلك عندما يرى الأطباء أن نسبة تحقق الشفاء بالعلاج الجراحي أو الدوائي ضعيفة جدًا.
القسم الثالث: وسائل علاج مظنون بحصول ثمرتها في حصول الشفاء، وغالب صور التداوي والعلاج تندرج تحت هذا القسم لأن حصول ثمرتها من قبيل الظن.
جاء في الفتاوى الهندية في تقسيم الأسباب المزيلة للضرر عن جسم الإنسان: (اعلم بأن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب المُسهل، أعني معالجة البرودة بالحرارة، ومعالجة الحرارة بالبرودة، وهي الأسباب الظاهرة في الطب. وإلى موهوم كالكي والرقية.
وأمَّا المقطوع به فليس تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوف الموت، وأمَّا الموهوم فشرط التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المتوكلين. وأمَّا الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضًا للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظورًا بخلاف المقطوع به، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال، وفي حق بعض الأشخاص فهو درجة بين الدرجتين) [2] .
إذن بالنظر إلى تقسيم وسائل العلاج في إزالتها للمرض قوة وضعفًا يمكننا القول بأن التداوي في الشريعة الإسلامية يتردد حكمه بين الأحكام التكليفية الخمسة، وهو ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن سؤال: ما حد الحديث النبوي؟ أهو ما قاله (صلى الله عليه وسلم) في عمره، أو بعد البعثة أو تشريعًا، حيث قال: (فكل ما قاله بعد النبوة وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع، لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به، فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرع لاستحبابه، فإن الناس قد تنازعوا في التداوي، هل هو مباح أو مستحب أو واجب؟ والتحقيق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار، فقد يحصل أحيانًا للإنسان إذا
(1) الإمام النووي: شرح صحيح مسلم 13/ 191 - 192.
(2) مجموعة من العلماء: الفتاوى الهندية جـ1 ص355 الباب الثامن عشر.