الصفحة 14 من 29

والإجراء الواجب اتخاذه من قبل الطبيب في هذه الحالة هو أن يشرح للمريض الآثار المترتبة على عدم إجراء الجراحة الطبية اللازمة له، والتطورات المرضية المترتبة على ذلك، وأن يأخذ من المريض إقرارًا برفضه إجراء العملية حتى يخلي طرفه من أي مسؤولية، ثم يترك المريض لسبيله دون إجراء العملية [1] .

وهذا الإجراء من قبل الطبيب نص عليه الميثاق الإسلامي العالمي للأخلاقيات الطبية والصحية، فقد جاء في المادة (19) : (على الطبيب في حالة رفض المريض للعلاج أن يشرح له الآثار المترتبة على عدم تعاطيه للعلاج والتطورات المرضية المترتبة على ذلك بصدق وعدم مبالغة، كما أن عليه أن يسجل إقرار المريض، وفي حالة رفضه يوقع الطبيب وأحد أفراد هيئة التمريض على ذلك في الملف الطبي حتى يخلي الطبيب مسؤوليته) .

هذا والحكم في مسألة امتناع المريض عن إعطاء الإذن الطبي لعلاجه في الحالات المستعجلة وغيرها، يمكن تخريجه على أصل اختلف فيه فقهاء المذاهب الإسلامية، وهو حكم التداوي. وحتى يستبين لنا الحكم الشرعي على أصوله في الحالات التي أجل المجمع الفقهي الإسلامي البت فيها، نستعرض تاليًا الحكم الشرعي في مسألة التداوي.

خامسًا: حكم التداوي في الحالات المستعجلة

لقد شاءت إرادة المولى عزوجل حين خلق الإنسان أن يجعل المرض من العوارض التي تنزل بجسمه، كما شاءت إرادته جل شأنه أن يخلق لكل مرض دواء، جعله سببًا لإزالته، فعن أسامه بن شريك، قال: (قالت الأعراب: يا رسول الله ألا نتداوى، قال: نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلاّ وضع له شفاء، أو قال دواء، إلاَّ داء واحدًا. قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم) [2] .

وعن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل) [3] .

قال الأمام النووي: (وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب التداوي، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف وعامة الخلق. قوله(صلى الله عليه وسلم) (لكل داء ... ) فهذا فيه بيان واضح، لأنه قد علم أن الأطباء يقولون: المرض هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، والمداواة رده إليه، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض، وبقراط يقول: الأشياء تداوى بأضدادها، ولكن قد يدق ويغمض حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدواء، فيقل الثقة بالمضادة، ومن هاهنا يقع الخطأ من الطبيب فقط، فقد يظن العلة عن مادة حارة فيكون عن غير مادة، أو عن مادة باردة أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها، فلا يحصل الشفاء، فكأنه (صلى الله عليه وسلم) نبه بآخر كلامه على ما قد يعارض به أوله، فيقال: قلت:

(1) د. سعد بن ناصر الشثري: بحث بعنوان"الأحكام الشرعية للجراحة"بند رقم (18) منشور على الانترنت موقع www.Saaid.net.

(2) تقدم تخريجه ص16.

(3) صحيح الإمام مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، حديث رقم (4084) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت