آخر إن الإنسان في الإسلام متحرر من"سلطان العباد" [1] لأنه هو مكلف بالتحرر من سلطان العباد على تعبيره، و منشغل بالتحرر من سلطان العباد على فكره و اعتقاده و عمله. لقد عاب الله تعالى من لم يستعمل قدراته المختلفة من أجل التعبير عن ما يكنه فؤاده من مشاعر، وما يكتنزه عقله من آراء. و هذا واضح في قوله تعالى:"إن شر الدواب الصم البكم الذين لا يعقلون"سورة الأنفال، الآية 22\ و هو أوضح في قوله تعالى:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون"\ سورة الأعراف، الآية 179\
إن المطلوب من الإنسان في الإسلام أن يتكلم بلسانه هو، و أن يفكر بأسلوبه هو، و أن يعيش في هذا الوجود من خلال اختياره هو. فعلى قدر نوع استعماله لوسائل البيان، و على قدر تحكمه فيها، و على قدر امتلاكه لها، على قدر هيمنته على كل ذلك يثبت الإنسان جدارته في الاستخلاف الأرضي بكل ما يعنيه من قدرة على التمتع بحقوقه، و في طليعتها حق التعبير الحر عن الرأي. دون هذا يكون الإنسان في الإسلام مقيدا بالقيود التي تفرضها عليه بيئته. مثله في ذلك كمثل من لا يستطيع أن يعبر عن ذاته، و لا يقدر على الدفاع عن وجهة نظره لأنه تكون في بيئة لا تساعد على أن تكون له شخصية مستقلة في التعبير الحر عن رأيها، بل و لا تقدر على بيان فكرها. قال تعالى:"أو من ينشأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين"\ سورة الزخرف، الآية 17\, و لعل هذا بعض من مفهوم التحرر الذي سماه القرآن المجيد ب"الانفكاك". إن العبودية هي أقرب المعاني اللغوية لمعنى عدم الانفكاك الوارد في قوله تعالى:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين"\ سورة البينة، جزء من الآية 1\، أي، و كما قال الأستاذ علال الفاسي رحمه الله: لم يكونوا متحررين:"مما عبدهم لغير الله إلا بعد أن جاءتهم الحجة القاطعة التي ليست غير رسول يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة تخاطب العقل، و تدعو إلى التفكير، و تنادي بالحرية" [2] .
يستنبط القارئ لموقف الملائكة من استخلاف الله تعالى لآدم في الأرض درسا كبيرا في حرية التعبير عن الرأي. قال تعالى:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك"\ سورة البقرة، جزء من الآية 29 \ لا شك أننا إننا إزاء جرأة في التعبير عن رأي يراه الملائكة، رأي صرحوا به أمام الله عز وجل، فهم عبروا عن رأي يتناغم مع مستوى علمهم و معرفتهم بهذا المخلوق. و لم يأخذ الرد الإلهي عن رأي الملائكة وجهة التقريع و التوبيخ و التعنيف. كما لم يكن الرد الإلهي ردا بالوعيد و الإنذار لأهله. كلا لم يأخذ ذلك وجهة الاعتراض. و لم يكن في مستوى التقريع، و إنما كان الرد ردا علميا لقوله تعالى:"إني أعلم ما لا تعلمون"\ سورة سورة البقرة، جزء من الآية 29 \
إن إبراهيم عليه السلام لم يعفه الإيمان بالله عز و جل عن التفريط في التعبير الحر عن حاجته الماسة إلى الاطمئنان القلبي. قال تعال:"و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا و اعلم أن الله عزيز حكيم"\سورة البقرة، 259 \. يبدو أن إبراهيم عليه السلام لم يمنعه إيمانه بقدرة الله عز وجل على إحياء الموتى عن التصريح برغبته الصادقة في معرفة الكيفية التي يحيي
(1) سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي و مقوماته، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1403ه، 1983 م، ص: 200. يارجع للتوسع في هذه النقطة ما كتبه سيد قطب رحمه في موضوع"التحرر الوجداني". العدالة الاجتماعية في الإسلام، القاهرة، دار الشروق، الطبعة السادسة عشرة، 2006 /، 1427 ه، ص: 32 و ما بعدها.
(2) علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها، البيضاء، مكتبة الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1963م، ص: 246.