الثاني أن ممارسة حرية التعبير عن الرأي مقيدة في الواقع و في القانون. هي مقيدة في الواقع لأن هوامش هذه الحرية تتوسع أو تضيق وفق ظروف الحرب و السلم، و وفق ما تفرزه موازين القوى المتحكمة في شؤون المجتمع، إذ على قدر حرص هذه القوى على حرية التعبير عن الرأي يكون لهذه الأخيرة صدى و أثرا في المجتمع. فرق كبير بين دول يحترم فيها مبدأ حرية التعبير و بين دول لا تحترم هذا المبدأ في ممارساتها فتجد له طابعا سياسيا رمزيا. كما أن ممارسة حرية التعبير عن الرأي مقيدة في القانون. و يستند هذا التقييد، كما بينا سابقا، إلى البيانات العالمية لحقوق الإنسان فضلا عن الكثير من المواثيق الدولية والقوانين الوضعية.
لا يقتصر الجمع بين الإقرار و التقييد في حرية التعبير على البيانات الحقوقية و القوانين الوضعية، و إنما يشمل أيضا النصوص الدينية الإسلامية. فبقدر ما نظفر بنجد مظاهر مختلفة لهذه الحرية في الشرع الإسلامي نجدها في الوقت نفسه مقيدة بجملة من الضوابط. و ذلك هو موضوع الفقرات الآتية.
ثالثا المظاهر الإسلامية
المبدأ العام في الإسلام أن الاقتصار على عبادة الله وحده يحرر الإنسان من أشياء كثيرة و قيود متعددة استعبد من خلالها الإنسان أخاه الإنسان. أشياء و قيود تكبل فكره، و تأسر عواطفه، و تعوقه عن التمتع بثمرات كسبه، و تصرفه هن التعبير عن ذاته بكل ما ينتجه التعبير الحر من أفكار و آراء و هموم و آمال و آلام. الإنسان الذي جعله الله تعالى خليفة له في الأرض هو إنسان متحرر، نعم لا شك في ذلك لكنه هو في الوقت نفسه مسؤول عن حريته. فتحرره هذا ليس بمنأى عن المحاسبة و المسائلة و عن التقييد. إن الأصل في مظاهر حرية التعبير الإسلامي عن الرأي هو أن لا سلطان لأحد على رأي الإنسان و فكره، و لا سلطان لأحد على تعبيره و بيانه. فهذا تحرر لئن كان الأصل فيه هو الإرسال و الإطلاق فإنه مقيد في الواقع العملي بمسؤوليته بمدى عدم الإساءة إلى الغير، و بمدى موضوعيته العلمية، و بمدى حرصه على مصلحة المجتمع الذي يحتضنه.
و هكذا، و انطلاقا من هذا المبدأ الإسلامي الكلي [1] ، تتعدد مظاهر حرية التعبير في الإسلام حتى كدنا نقول مع الأستاذ الجليل أحمد الريسوني أننا إزاء"فرضية التعبير، وليس أمام حرية التعبير" [2] . و في نظري إنها، و على الرغم من تعددها فإنها منتظمة في مظهرين رئيسين: الأول اعتقادي لأن العقيدة الإسلامية تنفي نفيا عاما أي إكراه فترسخ بذلك لمبدأ الحرية عامة، و حرية التعبير عن الرأي خاصة. و الثاني هو المظهر السلوكي الذي يحدد ما ينبغي أن يكون عليه التعبير الحر عن الرأي حتى يكون متناغما و متسقا مع هذه العقيدة.
1 _المظهر الاعتقادي
الإنسان، تبعا للعقيدة الإسلامية، إنسان متحرر ليس فحسب في ضميره، و ليس فحسب في جسده، و إنما هو أيضا متحرر في رأيه و في أسلوب التعبير عنه. بكلام
(1) يعد الصحابي الجليل ربعي بن عامر من أبرز من صور هذا المبدأ فبعد أن وجه رستم سؤاله إبه قائلا: ما جاء بكم؟ قال:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. و من ضيق الدنيا إلى سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام". 2 - يراجع تفاصيل حوار الصحابة مع قيادة الفرس في: الطبري ابن جرير، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر 1979م، 3\ 23 و ما بعدها - أحداث سنة 14ه.
(2) أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل مقاربة تأصيلية لقضايا: الديمقراطية، حرية التعبير، الفن، مكناس، المغرب، ضمن سلسلة اخترت لكم رقم 6، 2000 م، ص: 51.