الله بها الموتى. فلم يكن الرد الإلهي مرة أخرى تعنيفا و لا استنكارا، و إنما كان سؤالا:"أو لم تؤمن". و في سياق هذا المظهر روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال:"رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي" [1] ."
لقد حكى الله تعالى عن إبراهيم في رحلته الفكرية و الإيمانية، و التي أفضت به إلى التحرر من كل وصاية و من كل تحجير. لكن قبل الإفضاء إلى هذه النتيجة أخضع إبراهيم كثيرا من الأدلة إلى سلطة العقل، و من ثم تبين له بعد الفحص للكثير من الاحتمالات، و بعد التمحيص للعديد من الافتراضات حتمية الإيمان بالله عز وجل كما قال تعالى:"إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين"\سورة الأنعام، الآية 80 \.
2 _المظهر السلوكي
يتمثل هذا المظهر في صور متعددة:
منها صورة القصص التي يقص الله تعالى من خلالها جملة الأهوال و أنواع الإكراهات و أصناف الضغوط التي واجهها الأنبياء و المرسلون، و التي بلغت درجة القتل أو التصفية الجسدية. و الضمانة الأساسية لحرية التعبير عن الرأي هنا إيمان هؤلاء الصفوة من البشر أن أمر الحياة و الممات هو لله تعالى وحده لقوله تعالى:"إنا نحن نحيي و نميت و إلينا المصير".\ سورة ق، 43\ و لقوله تعالى:"إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"\ سورة الذاريات، الآية 58\. و قد قفى رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا القصص القرآني فأوضحت سنته ما ينشأ عن الإيمان الراسخ بالله تعالى من سلوك متحرر كما في قوله صلى الله عليه و سلم:"أعظم جهاد كلمة حق عند سلطان جائر" [2] . و قد ضرب كثير من علماء الإسلام المثل في مواجهة الضغوط و الإكراهات التي حاولت أن تخنق حريتهم في التعبير عن آراءهم فقاوموهما و تحملوا في سبيل ذلك التضحية بمتعة العيش و بالكثير من ملذات الحياة. [3]
منها أن الكلمة أمانة يسأل عنها المكلف في الشرع الإسلامي لقوله تعالى:"ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"\ سورة ق، الآية 18\.
منها أننا مأمورون شرعا بعدم كتمان العلم، و مأمورون بالتعبير عن ما هو حق بحسب ما أوتينا من علم و خبرة. و لا يتأتى ذلك بغير حرية التعبير. قال تعالى:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون"\ سورة البقرة، الآية 158\، و قال تعالى:"إن الذين يكتمون ما انزل الله من الكتاب و يشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار و لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم"\ سورة البقرة، الآية 173\، و قال أيضا:"و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله و ما الله بغافل عما تعملون"\ سورة البقرة، جزء من الآية 139\، و قال أيضا:"و لا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق و أنتم تعلمون"\ سورة البقرة، جزء من الآية 41\
و منها ما يشير إليه القرآن المجيد من علاقة وثيقة بين سادة جو حرية التعبير وسيطرة الروح الشورية. فالاستشارة كسلوك لا تكون ناجعة إلا إذا سبقها تهيئة جو عام ينتشر في حيثياته حرية الناس في التعبير عن آرائهم، تماما كما نبهنا الله تعالى على ذلك في قوله تعالى:"و ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء و هو كل"
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب"و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى"رقم الحديث 4537.
(2) سنن النسائي،، باب من تكلم بالحق عند إمام جائر، رقم 4138.
(3) أحمد أمين، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، ج 3 ص: 192.