الصفحة 16 من 35

لقد نص أصحاب الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان و المواطن من خلال المادة الرابعة منه على أن الحرية تقتصر على"قدرة المرء على القيام بكل ما لا يلحق ضررا بالآخرين. وهكذا فإن لا حدود لممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان إلا تلك التي تؤمن للأعضاء الآخرين للمجتمع التمتع بهذه الحقوق نفسها. هذه الحدود لا يمكن تحديدها إلا بالقانون". أما في المادة العاشرة من هذا الإعلان فيجب الامتناع عن إزعاج أي إنسان بسبب آرائه ... التعبير عنها لا يعكر النظام العام المرتكز على القانون". و على ذلك فإن حرية التعبير هنا تخضع لقيود معينة توضحها النصوص القانونية. و الشرط الأساسي في ذلك أن تكون ضرورية، تارة من أجل احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، و تارة أخرى من أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق، و تارة ثالثة، كما جاء في المادة العشرين من ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من أجل منع كل دعوة إلى الحرب أو إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية. دعوة من شأنها أن تشكل تحريضا على التمييز و المعاداة و العنف [1] ."

وقيدت الفقرة الثانية من المادة العاشرة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية حرية التعبير عن الرأي. بيان ذلك أنه نظرا لما يصطحب ممارسة حرية التعبير عن الرأي"من موجبات و مسؤوليات يمكن أن يخضع لبعض الإجراءات و الشروط أو القيود أو الجزاءات التي ينص عليها القانون و التي تكون في كل مجتمع ديمقراطي من ضرورات مصلحة الأمن الوطني أو الوحدة الإقليمية أو السلامة العامة و لمنع اندلاع الفوضى والجريمة، و لصيانة الصحة و الآداب، و لحماية سمعة الآخرين أو حقوقهم، أو للحيلولة دون تفشي المعلومات السرية، أو للحفاظ على سلطان القضاء و عدم انحيازه"

و قيدت الاتفاقية الأمريكية التي عقدت في سانخوسيه_ عاصمة كوسطاريكا_ بتاريخ"دجنبر 1969م حرية التعبير بما جاء في الفقرة الثانية من مادتها الثالثة عشر. ومفادها أن حرية التعبير عن الرأي مقيدة ب"حقوق الآخرين أو سمعتهم"، و مقيدة ب"حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة"."

و قبل الانتقال إلى القيود التي تتضمنها بيانات و مواثيق حقوق الإنسان في إفريقيا والعالم العربي تجدر الإشارة إلى كثير من الوقائع التي عرفها تاريخ الغرب، و التي تبرز مدى محدودية حرية التعبير عن الرأي في القوانين و المجتمعات الغربية. منها أنه لا زال كتاب"كفاحي"لهتلر محظورا فلا يتناول أو يطبع أو يوزع ... ، بل لا تزال كثير من القوانين في بعض دول أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية متناقضة مع حرية التعبير عن الرأي بإطلاق. و هكذا لم يكمل مخرج فيلم"الحياة الجنسية"للمسيح عمله خوفا من أن يحاكم بقانون يمنع سب المقدسات في انجلترا. و منها القانون الذي أقره البرلمان الفرنسي عام 1990م و الذي يسمى بقانون"فابيوس_ جيسو"الذي يمنع مناقشة الهولوكست في الحرب العالمية الثانية [2] . قال الكاتب البريطاني جورج أورويل:"الآراء التي ليس لها شعبية، و الحقائق التي لا يروق للبعض سماعها يتم إسكاتها دون حاجة إلى أي قرار رسمي يحظر التعبير عنها في كل عصر. و حين توجد مجموعة من"

(1) عبد الله لحود و جوزف مغيزل، حقوق الإنسان الشخصية و السياسية، بيروت، لبنان، منشورت عويدات، الطبعة الأولى، 1972م، ص: 82 و 173_ 174

(2) يراجع للتوسع في شأن قيود القانونية على حرية التعبير عن الرأي البندان 188 و 189 من القانون الجنائي في النمسا. و البند 10 من القانون الجنائي في فنلندا. و البند 166 من القانون الجنائي في ألمانيا. و البند 147 من القانون الجنائي في هولندا، و البند 525 من القانون الجنائي في إسبانيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت