وجاء في البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام"أن لكل شخص أن يفكر و يعتقد و يعبر عن فكره و معتقده دون تدخل أو مصادرة من أحد ما دام يلتزم الحدود العامة التي أقرتها الشريعة". و أن"التفكير الحر ليس مجرد حق، بل هو واجب كذلك."قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى و فرادى ثم تتفكروا". و من حق كل فرد و من واجبه: أن يعلن رفضه للظلم و إنكاره له، ... و هذا أفضل أنواع الجهاد"سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر". و لا حظر على نشر المعلومات و الحقائق الصحيحة ... من حق كل فرد و من واجبه أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و أن يطالب المجتمع بإقامة المؤسسات التي تهيئ للأفراد الوفاء بهذه المسؤولية، تعاونا على البر و التقوى". [1]
لقد بينت فقرات المادة الثانية و العشرون من إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام أن"لكل إنسان الحق في حرية الرأي و التعبير بكل وسيلة ممكنة و في حدود المبادئ الشرعية. و لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ... و الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع" [2] .
كما نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان على حرية التعبير عن الرأي. فقد جاء في المادة السادسة و العشرين"حرية العقيدة و الفكر و الرأي مكفولة لكل فرد". و لا يجوز _كما في المادة السابعة و العشرين_"فرض أية قيود على ممارسة حرية العقيدة و الفكر و الرأي إلا بما نص عليه القانون"
و الحاصل من هذا العرض للنصوص السابقة أنها أعطت لحرية التعبير عن الآراء الأولوية و الأسبقية [3] . و قد فتح هذا التحرر لكثير من الدول في عالمنا العربي و الإسلامي الباب واسع لكي تنص على حق حرية التعبير عن الرأي [4] . لست في مقام استقراء حضور حرية التعبير في الدساتير العربية و الإسلامية، و إنما الذي يهمني في هذا الباب أن هذا التحرر في التعبير عن الرأي قد فتح الباب واسعا للنفوس البشرية التي راحت بهذه الحرية في وجهات متناقضة و متضاربة في الخيرات و أنواع الهدي، و في الشرور و أنواع الضلال. فباسم هذه الحرية في التعبير، و من خلالها أسيئ للديانات، و منها الدين الإسلامي. وباسم هذه الحرية ظهرت ممارسات عملية و أشكال فنية و فلسفية و أدبية تعرض لما يعد بحسب الذوق الإنساني العام خلاعة و إسفافا و إباحية مطلقة [5] . و من ثم كان لا بد من تقييد هذا النوع من الحرية ...
2 التقييد
بقدر ما نصت كثير من القوانين الوضعية و المواثيق الدولية و الأنظمة السياسية على حق الأفراد في التعبير عن أفكارهم و مشاعرهم دون تقييد أو تدخل سابق من جانب الدولة، فإنها قيدت تطبيق ممارسة هذا الحق بقيود متنوعة، و ضبطت تنزيله بضوابط مختلفة [6] .
(1) أحمد البخاري و أمينة جبران، الحريات العامة و حقوق الإنسان ص: 300_ 301.
(2) أحمد البخاري و أمينة جبران، الحريات العامة و حقوق الإنسان ص: 311.
(4) فعلى سبيل المثال أكد دستور المملكة المغربية على التشبث بالحقوق"كما هي متعارف عليها عالميا"و من بنود الفصل التاسع منه أن الدستور المغربي يضن لجميع المواطنين"حرية الرأي، وحرية التعبير بجميع أشكاله، و حرية الاجتماع"
(5) يراجع أمثلة لذلك جمال البنا/ الإسلام و حرية الفكر، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 2008 م، ص: 98 و ما بعدها.
(6) الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 711.