إن لدعوى الإجماع أثرا وخيما يكبت الإبداع الذاتي و الابتكار الفردي في ثقافتنا و في فكرنا الإسلامي. [1] . و التبصر هذا المعطى لا يتناقض في الوقت نفسه مع الاعتراف و الإقرار بالدور العظيم الذي أداه الإجماع في الصدر الأول من مبايعة أبي بكر إلى حروب الردة، كما اعتمد كثيرا في تحديد الموقف من التنظيمات التي أحدثها المسلمون في عصر الصحابة. و لعل هذا هو الذي حمل بعض الأصوليين على تسجيل مجموعات من الأحكام الشرعية وقع عليها هذا الشكل من الإجماع و ترتيبها في مراتب مخصوصة [2] . لكن عوض أن تستثمر الروح الاستشارية التي تنطوي عليها فكرة الإجماع من أجل الحفاظ على حرية التعبير عن الآراء الفقهية المختلفة، و عوض أن توظف هذه الروح التحررية في تنظيم أصول الخلافات الفقهية، و في تقريب مداركها العلمية، و في تشجيع معظم علمائنا على البوح بأفكارهم، و في تحفيزهم على التصريح بآرائهم دون خوف و لا وجل، عوض أن تستثمر الروح الاستشارية لتحقيق تلك الوظائف السامية انتهى مبحث الإجماع إلى الاختلاق المتشابك في حجيته، و في إمكان انعقاده، و في كيفية حصوله، و في ضبط وقته. و لله در الشيخ محمود شلتوت رحمه الله عندما قال:"لا أكاد أعرف شيئا اشتهر بين الناس أنه أصل من أصول التشريع في الإسلام، ثم تناولته الآراء، و اختلفت فيه المذاهب من جميع جهاته كهذا الأصل الذي يسمونه الإجماع" [3] .
ثانيا البيانات الحقوقية
تلك صورة من صور حضور حرية التعبير في الموروث من الأحكام الفقهية استمرت حاضرة إلى أن تعرف المسلمون في سياق احتكاكهم بالغرب الأوروبي و الأمريكي على نوع من الحرية، إلا أنهم رفضوه لأنه يقتضي في نظرهم إسقاطا لكثير من الحقوق. الحرية التي زحف بها الإفرنج على بلداننا الإسلامية حرية مستحدثة عن المسلمين. حرية لا يعرفها واقع المسلمين فضلا عن أنه لم يتحدث عنها فقهاؤهم. تتحدد مرجعية الحرية المستجدة على المسلمين في كون الإنسان سيد نفسه كما تلهج بذلك البيانات العالمية لحقوق الإنسان، و منها بيان حقوق الإنسان بفرنسا عام 1789/. فمن هذه الحقوق حق حرية التعبير عن الرأي كحق وثيق الارتباط بكل ما يمس الأفراد والسلطات على تعددها.
1 الإقرار
من أهم ما يستحضر للغربيين في هذا الصدد أنه صدرت في بريطانيا عام 1689 م وثيقة إعلان حقوق الإنسان التي تضمنت وجوب إقرار البرلمان لحرية القول. و صدر أيضا في فرنسا بتاريخ 26\ 08 \1789 م إعلان حقوق الإنسان و المواطن. تنص المادة الرابعة منه على أن الحرية تقتصر على"قدرة المرء على القيام بكل ما لا يلحق ضررا"
(1) و انطلاقا من واقع الكبت للآراء المخالفة ذهب جون ستيوارتمل إلى القول بأنه لا حرية في الإسلام. قال جون ستيوارتمل:"لو كانت الإنسانية كلها مجمعة على رأي واحد عدا فرد واحد، فلا يحق لها أن تسكت الفرد المخالف لرأيها. كما لا يحق لذلك الفرد، لو استطاع، أن يسكت الإنسانية المعارضة لرأيه". الحرية لجون ستيوارتمل نقلا عن عبد الله العروي، مفهوم الحرية، البيضاء، المركز الثقافي العربي، ص: ص: 46.
(2) ينظر كأنموذج لذلك بن حزن في كتابه مراتب الإجماع، دار الكتب العلمية، بدون.
(3) محمد شلتوت، الإسلام عقيدة و شريعة، القاهرة، مصر، دار الشروق، الطبعة السادسة، 1972 م، ص: 80_ 81. يلاحظ المؤرخ للإجماع عدم إعمال كاف للروح الاستشارية و عدم تطور في استتثمارها من أجل التمكين لحرية التعبير عن الرأي الفقهي المخالف. و أسباب ذلك مختلفة يأتي الاستبداد السياسي في طليعتها حتى تحول الإجماع، كما قال الأستاذ علال الفاسي رحمه الله:"منذ القرن السادس عبارة عن اتفاق الناس في كل بقعة من بقاع الأرض، و ذلك بالطبع ما لم يفهمه المسلمون الأولون و ما لا تدل عليه نصوص الكتاب و السنة"علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها، البيضاء، المغرب، مكتبة الوحدة العربية، بدون، ص: 116.