الصفحة 11 من 35

يقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، و يفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، و من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. و ليبس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [1] ."

يبدو، انطلاقا من فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أن على المسلمين جميعا واجب التعبير عن آرائهم سواء في استنكارهم لكل ما يخالف الأمور المعلومة من الدين ضرورة، أو في إقرارهم لما اتسق مع هذه الأمور الضرورية لأنها من المعروف. و ينهض بهذا الواجب أولا و قبل كل شيء العلماء، خاصة في المسائل الاجتهادية. لكن يلاحظ في بعض فترات من تاريخنا أنه تم خرق هذا التمييز كما في حالة إحراق أو إتلاف بعض المؤلفات، أو الزج ببعض المخالفين في الرأي في السجون بل و تصفيتهم تصفية جسدية، أو عندما يتم اعتبار فتوى من الفتاوى مخطئة و منحرفة عن الصواب، أو أن أصحابها مارقون عن الدين الإسلامي و منحرفون عن منهجه، و عن رأي جماعة المسلمين. و في هذا السياق أبلى الكثير من علماء الإسلام البلاء الحسن في الثبات على ما يؤمنون به من آراء، و ظلوا صامدين ضد أي مصادرة لحريتهم في التعبير. و ما محنة أحمد بن حنبل و ابن رشد إلا بعض من الأمثلة التي يمكن أن تستحضر من تاريخ حرية التعبير عن الرأي في الإسلام.

قد يقال إن من يخالف رأي جماعة المسلمين فينفرد بمذهب مبتدع يصرح به و يعبر عنه، قد يقال إنه من أهل البغي. فمن أحوال بعضهم التصريح بالاعتقاد و الرأي المخالف مع احتفاظهم بالاختلاط بأفراد المجتمع و بالاحتكاك به. و مفاد الموقف من هؤلاء هو أن الحاكم يجب عليه، و قبل أن يلجأ إلى تعزيرهم، أن يحاورهم و يناظرهم فيوضح لهم، فساد ما اعتقدوا و بطلان ما ابتدعوا ليرجعوا عنه إلى اعتقاد الحق و موافقة الجماعة [2] .

و تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه من وراء غطاء دعوى الإجماع تم كبت حرية التعبير عن كثير من الآراء الفقهية المخالفة، تارة بدعوى أنها بدعة، و تارة بحجة أنها زندقة. بل غالبا ما كان يتم رفع شعار الإجماع كسيف فكري يسلط في وجه كل مخالف للرأي حتى يحجم عن التعبير عنه، و حتى يتوقف عن نشره و التمكين له. و هو من الأسباب التي أنشأت مناخا من الذهول الذهني و الجمود الفكري في المجتمع الإسلامي نسي معظم الفقهاء في سياقه أهمية الجدال و التحاور. و هكذا إن الفقيه الذي يعيش في بيئة يسيطر على جوها الرأي الواحد بدعوى Hنه رأي"مجمع عليه"يؤدي ثمنا باهضا من حريته في التعبير عن ما يراه فكره، و عن ما أداه إليه تفقهه و اجتهاده في هذه المسألة أو تلك من المسائل الفقهية التي تعرض له في حياته العلمية و العملية. و الثمن الباهض هنا هو افتقاده الجرأة على التفكير المستقل عن وصاية الإجماع المزعوم. و من ثم يترتب الخروج عن هذا النوع من الإجماع الانشقاق عن الرأي السائد في المجتمع، بل و حرمان صاحب الرأي السديد من ملذات العيش الكريم و من متع الحياة الطيبة [3] . لا ننسى، مرة أخرى، أن الاتهام بالردة كان بمثابة السيف الذي سلط في وجه كثير من الكتاب و المفكرين الذين حاولوا أن يخرجوا بين الفينة و الأخرى بآراء تناقض في تقدير حكامنا الذوق العام للمجتمع الإسلامي.

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، و ان الإيمان يزيد و ينقص و أن المر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان. رقم 50 مسلم، كتاب الإيمان

(2) الماوردي أبو الحسن، الأحكام السلطانية، ص: 59.

(3) يراجع في هذا الصدد دراسة فوزي البدوي، المحنة و حرية التفكير الديني في الإسلام الكلاسيكي، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد 4، فبراير 1997م ص: 29. و أيضا محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1994 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت