وقد استدل بعض الإخوة المعاصرين على جواز هذا التعهد المستلزم لضمان رأس المال أن ذلك ممنوع في شركة العقد، وليس في شركة الملك، ثم ادعوا أن الشركة في الصكوك (وخاصة في الصكوك التي تمثل الأعيان المؤجرة) إنما هو شركة الملك، وليس شركة العقد. ولكن إذا نظرنا في حقيقة هذين النوعين من الشركة، تبين لنا أن الشركة في الصكوك شركة عقد، وليس شركة ملك فقط، وذلك لأن المقصود من هذه الشركة ليس تملكا للأعيان بغرض الاستهلاك أو الانتفاع الشخصي، وإنما المقصود منه استثمار مشترك، وهو الفارق الأساسي بين شركة الملك وشركة العقد.
وتفصيل ذلك أننا لو تأملنا فيما ذكره الفقهاء في حقيقة شركة العقد ظهر لنا أن شركة العقد تتميز عن شركة الملك بوجوه ثلاثة: الأول أن المقصود منها الاسترباح المشترك، بخلاف شركة الملك، فإن المقصود منها التملك والانتفاع لا غير. والثاني أنها تجعل كل شريك وكيلا عن الآخر في عمليات الاستثمار، في حين أن الشركاء في شركة الملك كل واحد منهم يستقل بتصرفه في حصته، وهو أجنبي بالنسبة لحصة شريكه أو شركاءه الآخرين. الثالث: أن الشركاء أحرار في شركة العقد بتوزيع الربح فيما بينهم بأية نسبة مشاعة يتفقون عليها فيما بينهم، بخلاف شركة الملك، فإن كل شريك فيها يستقل بالاسترباح من حصته، ولو استغل كل واحد حصته منفردا، فإن كل واحد ينفرد بما كسب من غلة حصته فقط. وإن هذه الخصائص كلها متوافرة في الشركة التي تحدث بالصكوك.
وإن الشيخ مصطفي الزرقاء رحمه الله تعالى قد تكلم في الفرق بين النوعين من الشركة بكلام واضح ودقيق. وإليكم عبارته بنصه:"إن الملكية الشائعة إنما تكون دائما في شيء مشترك، فهذه الشركة إذا كانت في عين المال فقط، دون الاتفاق على استثماره بعمل مشترك، تسمى"شركة ملك".وتقابلها"شركة العقد"وهى أن يتعاقد شخصان فأكثر على استثمار المال أو العمل واقتسام الربح، كما في الشركات التجارية والصناعية." [1]
وقد تحدث الشيخ رحمه الله تعالى عن الفارق بين القسمين في محل آخر فقال:"عقد الشركة: وهو عقد بين شخصين فأكثر على التعاون في عمل اكتسابي واقتسام أرباحه. والشركة في ذاتها قد تكون شركة ملك مشترك بين عدة أشخاص ناشئة عن سبب طبيعي كالإرث مثلا، وقد تكون شركة عقد بأن يتعاقد جماعة على القيام بعمل استثماري يتساعدون فيه بالمال أو بالعمل ويشتركون في نتائجه. فشركة الملك هي من قبيل الملك الشائع وليست من العقود، وإن كان سببها قد يكون عقدا، كما لو اشترى شخصان شيئا، فإنه يكون مشتركا بينهما شركة ملك، ولكن ليس بينهما عقد على استغلاله واستثماره بتجارة أو إجارة ونحو ذلك من وسائل الاسترباح. وأما شركة العقد التي غايتها الاستثمار والاسترباح فهي المقصودة هنا والمعدودة من أصناف العقود المسماة." [2]
فأوضح الشيخ رحمه الله تعالى أن الشركة متى قُصِد بها الاستثمار أو الاستغلال، سواء عن طريق التجارة أو عن طريق الإجارة، أصبحت الشركة شركةَ عقد. ومن البديهي أن الصكوك يُقصد بها الاستثمار أو الاستغلال من الأعيان المؤجرة، فلا سبيل إلى القول بأنه شركة ملك. ولذا فلا يجوز أن يضمن أحد الشركاء رأس مال الآخر بطريق مباشر أو غير مباشر.
والواقع أن عدم جواز التعهد المذكور من الشريك أو المضارب أمر لا يحتاج إلى كثير من التدليل، فإنه أمر مقرر في الفقه، وقد أكدته المجامع والندوات الفقهية، والمجلس الشرعي نفسه. ولو فتحنا هذا الباب لجاز لمديري المصارف الإسلامية أن يضمنوا رأس
(1) المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفي الزرقاء1/ 263
(2) المرجع السابق551:1