مال المودعين بأن يتعهدوا بشراء حصصهم المشاعة في وعاء الاستثمار بقيمتها الاسمية، وبهذا ينتفي الفارق الوحيد بين ودائع المصارف الإسلامية والمصارف التقليدية.
التعهد من وكيل الاستثمار
ولا يكون مدير العمليات في بعض الصكوك شريكا أو مضاربا، وإنما يكون وكيلا لحملة الصكوك في استثمار الأصول التي تمثلها الصكوك. فهل يجوز أن يتعهد لحملة الصكوك أنه سوف يشترى الأصول في نهاية المدة بقيمتها الاسمية؟ والجواب أن التعهد من الوكيل وإن كان أخف من تعهد الشريك أو المضارب، فإنه لا يجوز أيضا، لأن الوكالة عقد أمانة ليس فيها ضمان على الوكيل إلا في حالة التعدي أو التقصير. والتعهد المذكور بمثابة الضمان منه، فلا يجوز هذا الضمان أيضا. وبهذا أخذ معيار الضمانات الصادر من المجلس الشرعي، حيث جاء في البند2/ 2/1منه ما نصه:"لا يجوز اشتراط الضمان على المضارب أو وكيل الاستثمار أو أحد الشركاء سواء كان الضمان للأصل أم للربح، ولا يجوز تسويق عملياتها على أنها استثمار مضمون."
وجاء في البند التالي:"لا يجوز الجمع بين الوكالة والكفالة في عقد واحد لتنافي مقتضاهما، ولأن اشتراط الضمان على الوكيل بالاستثمار يحوّل العملية إلى قرض بفائدة ربوية بسبب ضمان الأصل مع الحصول على عائد الاستثمار."
وقد يستدل على جواز هذا التعهد من وكيل الاستثمار بمسألة أقرها المعيار في البند نفسه، حيث جاء فيه:"أما إذا كانت الوكالة غير مشروطة فيها الكفالة، ثم كفل الوكيل من يتعامل معه بعقد منفصل، فإنه يكون كفيلا لا بصفة كونه وكيلا، حتى لو عزل عن الوكالة يبقى كفيلا." [1]
فيقول المستدلون إن وكيل الاستثمار وإن لم يكن ضامنا في الأصل، ولكنه أصبح ضامنا بحكم هذا التعهد المستقل المنفصل عن عقد الوكالة.
والجواب أن هذا قياس مع فارق كبير، لأن الوكيل في الصورة المذكورة في المعيار يكون كفيلا عن مديون العمليات بعقد منفصل، وإنه لا يضمن إلا إذا تخلف المديون عن سداد واجباته فقط، ولكنه لا يضمن للبائع أن يكون البيع رابحا في كل حال. أما في صورة الصكوك، فإن وكيل الاستثمار لا يضمن مديونا معينا، وإنما هو يضمن خسران العمليات، حتى أن ضمانه يظل قائما، وإن سدد جميع المديونين واجباتهم، ولكن كانت العمليات خاسرة لنزول الأسعار في السوق، أو لأي سبب آخر، فكيف يقاس هذا على ذاك؟
ثم يزيد الضغط على الإبّالة في هذا التعهد إن كان المدير ه والبائع للأصول على حملة الصكوك، كما هو الشأن في كثير منها، حيث يتضمن هذا التعهد العينة، لأنه تعهد بشراء ما باعه المتعهد، إلا إذا انتفت العينة بالشروط المعروفة في الفقه.
سياسة الاقتصاد الإسلامي
وإن هذا البحث كله كان من الناحية الفقهية البحتة. أما إذا تأملنا من منظور مقاصد التشريع وأهداف الاقتصاد الإسلامي، فإن الصكوك التي اجتمعت فيها معظم خصائص السندات الربوية، مخالفة تماما لهذه المقاصد والأهداف. إن الهدف النبيل الذي حُرّم من أجله الربا، هو أن يوزّع محصول العمليات التجارية والصناعية فيما بين الشركاء على أساس عادل. وآليات الصكوك المذكورة تهدم هذ الأساس من رأسه، وتجعل الصكوك مشابهة للسندات الربوية سواء بسواء من حيث نتائجُها الاقتصادية. وإن إنشاء المصارف
(1) انظر المعيار الشرعي، رقم 5، بند2/ 2/1، و2/ 2/2