ويدخل فيه وقف المؤلف أو المبتكر لمنفعة أهله أو ذريته و يضع بعض الحصة منه للغرض الخيري العام، مثلا للفقراء أو المساكين أو جهة خيرية أخرى، وهذه الوسيلة أفضل بألا تكون الأرباح الموقوفة دولة بين أشخاص ذرية الواقف فقط.
الانتهاء الحقيقي والحكمي لوقف الحقوق المعنوية
كما عرفنا، أن الحقوق المعنوية لها زمن محدد للحصول على الريع والأرباح التي ينتفع بها المؤلف أو المبتكر. والغالب أن هذا التحديد موجود في القانون كما في ماليزيا, حيث جاء في القانون المسمى ب" Copyright Act 1987". فالمؤلف له حق فيها بخمسين عام بعد موته. [1]
فما هو موقف الشريعة الإسلامية من شرط التأبيد أو الدوام للحقوق المعنوية الموقوفة؟ وما هو وضع (( status هذا النوع من الوقف؟ هل هوصحيح أم باطل؟
فالحقيقة لا توجد أقوال للفقهاء في هذه المسألة لأن الحقوق المعنوية الموقوفة أمر جديد وحديث, ولكن هناك من بحث من الفقهاء عن حقيقة الدوام للوقف, وهي إما أن تكون أبدية (أي الدوام الأبدي) أو نسبية (أي الدوام النسبي) . فالشافعية يرون بأن المقصود بدوام الانتفاع بالموقوف هو الدوام النسبي لا الأبدي. [2] ، فإذا علقت مسألة انتهاء الحقوق المعنوية الموقوفة هذه بمبدأ الدوام النسبي، فالوقف صحيح.
وعمومًا يمكن القول، أن رأي الإمام مالك واالمالكية أسهل تطبيقا لأنهم يجيزون الوقف المؤقت توسعة على الناس في عمل الخير. إذن فالوقف هذا صحيح أيضا.
وقف المنافع
المنافع هي ما يستفاد من الأعيان كسكنى الدار وركوب السيارة. ويدل على كونها مال بأن طبيعة الإنسان تميل إليها كالأعيان، فيسعى إلى اقتنائها. والعرف العام في الأسواق أيضا يعتبرها أموالا. والشارع أعتبرها أموالا بدليل ما ورد على لسان سيدنا شعيب لموسى عليه السلام, قوله تعالى {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} القصص آية (27) ويتبين من الآية الكريمة أن الخدمة من قبل موسى مقبولة لمهر إحدى ابنتي شعيب للزواج. فالشارع أجاز أن يكون عمل الإنسان (المنفعة) مهرا، والأصل في المهر أن يكون مالا بدليل قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} النساء آية (24) إذن، فتكون المنفعة مالا.
معنى وقف المنافع والفرق بين وقف المنافع ووقف الأعيان
المراد بوقف المنافع هو: حبس أو وقف منافع الأعيان المتقومة سواء كانت (يعني الأعيان) مملوكة للواقف أو لغيره تقربا إلى الله تعالى.
وفي هذا، تكون المنافع هي موضوع الوقف بخلاف الغالب بأن تكون الأعيان هي موضوعه الأساسي.
والأعيان، كما عرفنا وهي تدخل في مفهوم الوقف المبدأي وهي مقصودة للحبس. وأما منافعها، وهي مقصودة للتسبيل في وجوه البر. إذن، فالأعيان والمنافع عنصرين أساسيين لإيجاد الوقف. وهذا أيضا ما أشار إليه الحديث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال:"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث". [3] "
ووقف المنافع هي الصورة الخلافية بين الفقهاء عندما يكون موضوع الوقف هو المنافع بدون أعيانها. المالكية يرون صحة هذا النوع من الوقف, فمن أستأجر دارا أو عقارا فله أن يوقف منفعة العين المستأجرة مدة إجارتها. [4] ونجد للشافعية رأيين في وقف المنافع, عند حديثهم في مسألة وقف الكلب المعلم, فمنهم من قال بعدم جواز وقفه لأن الوقف مقصود للتمليك، والكلب لا يملك، ومنهم من قال بالجواز لأن القصد من الوقف المنفعة، وفي الكلب منفعة، فجاز وقفه. [5] وبه قال الزيدية والجعفرية، ومنع غيرهم وقفه. [6]
المنافع التي يجوز وقفها وصورها
تنقسم المنافع التي يجوز وقفها إلى قسمين:
1)منافع الأعيان المملوكة للواقف
2)منافع الأعيان الغير مملوكة للواقف
بالنسبة للقسم الأول: وهي منافع الأعيان المملوكة للواقف يجوز لمالك العين أن يوقف منفعة ماله إلى جهة الوقف, ومثال ذلك إذا ملك شخص دارا، فله أن يوقف منفعة داره للفقراء المحتاجين للسكنى فيه. وكذلك يجوز أن يؤجر الأرض الزراعية المستغلة للأخر ويدفع ريعها وقفا إلى جهة الخير تقربا إلى الله تعالى, ومن الأمثلة المعاصرة هو وقف فائدة السهم [ dividend of share] المملوكة لمالكها من شركات الأموال الاقتصادية المستغلة إستغلالا جائزا شرعا إلى أي وجه من وجوه البر والخير.
أما القسم الثاني: وهي منافع الأعيان الغير مملوكة للواقف, كما في الإجارة، وهبة المنفعة، والوصية بالمنفعة، والعمرى عند من يقول بها. [7] ففي هذه الأحوال، يكون الوقف حسب الزمان المحدد لمالك المنفعة أو عمره أو عمر العين, فيجوز مثلا للمستأجر أن يوقف المنافع المملوكة له طول زمن الاستئجار كما ذكرت أنفا، أو طول عمره في ذلك الحين أو مدى وجود العين الصالحة للوقف. وهذا يشبه الوقف المؤقت وفيه خلاف عند الفقهاء، والإمام مالك قال بصحته. [8]
وقف الصكوك
(1) انظر عارف صالح روسمان، Harta Intelektual Menurut Islam ، الجامعة التكنولوجية بماليزيا، سكوداي، 2002، ص 134
(2) انظر الدكتور مصطفى الخن والدكتور مصطفى البغاء، الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي، الجزء الثاني، دار القلم، دمشق، 2005، ص 220
(3) انظر صحيح البخاري، كتاب الوصايا، دار السلام، الرياض، 1997، ص 563
(4) انظر الشيخ أحمد بن محمد الصاوي المالكي، بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، الجزء الثاني، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ص 297
(5) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف، المهذب، الجزء الثاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ص 440
(6) محمد عبيد الكابيسي، ص 352 - 353
(7) انظر قحف، ص 147
(8) انظر الصاوي، ص 300