فيرى الإمام أبو حنيفة بعودها إلى ملك الواقف إن كان حيا و إلى ملك ورثته إن كان ميتا. وهذا أيضا ما رآه الإمام مالك. [1] وأما الإمام أبي يوسف، قال بأنها تصرف إلى الفقراء عند انقراض الموقوف عليه أو إنقطاع جهتها. [2]
ويبدو لنا، أن قول الإمام أبو يوسف أصح بالإتباع لما فيه من استمرار وتأبيد للوقف لمصلحة الفقراء والمساكين. وهذا أيضا يتفق مع طبيعة الوقف التي هي صدقة جارية كما عرفناها من قبل , والشرع يعتبر الفقراء والمساكين المصرف الأساسي للصدقات وأعمال الخير.
وقف الحقوق المعنوية
يعتبر وقف الحقوق المعنوية من الصور الجديدة التي تتناسب مع متطلبات العصر وهو من الوسائل الحديثة في عمل الخيرات. فوقف هذا النوع من الحقوق لم يكن معروفا لدى الفقهاء الأوائل، وإنما ظهر نتيجة التقدم في المجال العلمي والثقافي والاقتصادي. وهذا البحث يتعلق بشيء غير مادي ويمكن أن يكون من الإنتاج الذهني كحق المؤلف في المصنفات العلمية والأدبية أو براءة الاختراع في المخترعات الصناعية، أو ثمرة لنشاط تجاري يقوم به التاجر لجلب العملاء كما في الاسم التجاري والعلامة التجارية.
وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت في 1 جمادي الأولى 1409 الموافق 10 ديسمبر 1988م بأن للاسم التجاري والعنوان التجاري والعلامة التجارية وحق التأليف والإختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها، وأصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة يتمول الناس بها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعا فلا يجوز الاعتداء عليها. [3]
ما المراد بوقف الحقوق المعنوية؟
المراد بوقف الحقوق المعنوية هو: حبس أو وقف الحقوق المعنوية المقومة المملوكة للواقف بجعل أثمانها وأرباحها وريعها مصروفة إلى مقصودها العامة أو الخاصة تقربا إلى الله تعالى.
الحقوق المعنوية التي يجوز وقفها وصورها
والحقوق المعنوية التي يجوز وقفها هي: حق التأليف والابتكار.
ويكون الوقف بتصريح المؤلف أو المبتكر في استغلال ملكه المعنوي لذلك الغرض، وكثيرا ما نجد من هذه الصور في مقدمات الكتب الموقوفة، مثال أن يقول المؤلف أنه"يترك حق نشر كتابه أو أي جزء منه صدقة جارية لله تعالى". [4] أو يمكن أن ينص بتخصيص الناشر كأن يذكر أنه"يحبس حق النشر والتوزيع لمؤسسة خيرية، مثلا دار الأيتام، لله تعالى".
ويجوز للمؤلف أو المبتكر أن يضع أي شرط في صيغه المناسبة لأحكام الوقف كشرط توزيع الأرباح كلها أو جزء منها أو توزيع حصة ملك المؤلف أو المبتكر إلى جهة خيرية عامة كانت أو خاصة.
(1) وهبة الزحيلي، الوصايا والوقف في الفقه الإسلامي، دار الفكر، سورية، دمشق، 1987، ص 205
(2) محمد أمين إبن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، الجزء الرابع، دار الفكر، 1966، ص 340;ابن الهمام، ص 48
(3) محمد عثمان شبير، ص 74
(4) الدكتور منذر قحف، الوقف في المجتمع الإسلامي المعاصر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، 1998، ص138 - 139