الصفحة 6 من 12

وإذا عدنا إلى الشريعة رأيناها تنسجم تمام الانسجام مع ما يقرره الوجدان وقد رأينا القرآن الكريم يمنح البشرى لعباد الله المخلصين الذين يستمعون ويختارون {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [1] .

وقد بينا في مقال آخر أن الإنسان المسلم حر في اعتقاده وتغييره وبيانه إلا أن يؤدي إلى إيجاد خلل في النسيج الاجتماعي. وقد رويت روايات تتحدث عن الحرية التي كان يتمتع بها الأفراد في بيان آرائهم بكل شجاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي صفة الأمة الإسلامية التي استحقت بها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» [2] بل ألزم الإسلام بها (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [3] . وهكذا قوله تعالى «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» [4] وقوله سبحانه على لسان لقمان «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر» [5] وكان الرسول الكريم يستمع بكل رحابة صدر لآراء الآخرين حتى لو خالفت رأيه، وكان (ص) يحث على قول الحق: من قبيل قوله: والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو يوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده» وكذلك قوله (ص) : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان. [6] وقوله (ص) «لايكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس» [7] ويقول (ص) : «أفضل الجهاد كلمة حق (عدل) عند سلطان (أمير) جائر» [8] . وروى المنذري عن النعمان بن بشير قال «خرج علينا رسول الله (ص) ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه حدث في السماء أمر فقال: ألا إنها ستكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون فمن صدقهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منهم، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه» [9] وروى ابن ماجه عنه (ص) قوله: «لاتزال طائفة من أمتي قوّ امة على أمر الله، لايضرها من خالفها» [10]

وهكذا كان الصحابة الكرام وأهل البيت (ع) وقد روى عن علي قوله: «أنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال» وقوله: «خذوا الحكمة ولو من أهل الضلال» [11] والمعروف أن عليًا لم ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق بل كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا» [12] .

وفي كتاب نهج السعادة مستدرك نهج البلاغة: قال أبو عطاء: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) محزونًا يتنفّس، فقال: «كيف أنتم وزمان قد أظلّكم، تعطّل فيه الحدود، ويُتّخذ المال فيه دُوَلًا، ويُعادى فيه أولياء الله، ويوالي فيه

(1) الزمر 17 - 18 ..

(2) آل عمران: 104.

(3) آل عمران: 110.

(4) التوبة: 71.

(5) لقمان: 17.

(6) رواه مسلم وابو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه واحمد.

(7) رواه الترمذي.

(8) رواه ابو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه واحمد.

(9) الترغيب والترهيب ج3 ص 195 وقال حديث رواه أحمد.

(10) السنن ج ص 5 ح 7.

(11) اثبات الهداة للحر العاملي ج 1 ص 46.

(12) الوسائل ج 11 ص 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت