الصفحة 4 من 12

ومنها أيضًا غريزة حب الذات والعمل على تحقيق طموحاتها فهي من الغرائز الأصلية في الإنسان والتي لا يمكن تجاوزها والقضاء عليها، كما تصورت الماركسية يومًا ما أنها ظاهرة فوقية يمكن حذفها من الوجود الإنساني من خلال تحريم الملكية.

ومنها التذوق الفني: والابتهاج لعناصر الجمال التي يزخر بها هذا الكون.

ومنها هذه النفس اللوامة والوجدان الأخلاقي الذي يشخص اجمالًا نوعية الحقوق ويحدد حدودها ويتابع الإنسان - أيا كان - إذا تخطاها.

ولسنا نريد استعراض كل العناصر الفطرية وإنما نريد أن ننطلق إلى هذه الحقيقة وهي: أن الاقتناع بأن (العدالة شيء حسن دائمًا) و (أن الشيء الحسن ينبغي فعله) هي من القناعات الفطرية التي لا تحتاج إلى دليل ... فإذا اقتنع الإنسان بأن الموضوع المعين حسن اقتنع بأنه مما ينبغي فعله دونما تشكيك فهو موضوع مطلق، كما أن من المواضيع المطلقة حكم الوجدان الإنساني بأن قضية (إطاعة المنعم الحقيقي، والمالك الحقيقي للكون والإنسان) هي قضية مطلقة لا تتخلف أيضًا وهناك من القضايا التي زرعت في الوجود الإنساني كمصاديق لمسألة العدالة (أصلًا) كالصدق، والأمانة، والرحمة، والإيثار، والميل نحو السلام.

فهذه الأمور حسنة في أصلها، ونقصد من عبارة (في أصلها) أنها قد تطرأ عليها بعض الحالات التي تفقد معها حسنها الطبيعي الفطري وتخرج من كونها تجليات للعدالة ومصاديق واقعية لها لتعود من تجليات الظلم والتعدّي.

ونستنتج من هذا أن الفطرة الإنسانية تحكم بنوعين من الحكم:

أحدهما مطلق من قبيل: العدالة نفسها وطاعة الخالق الحكيم.

والثاني مقيد ونسبي من قبيل: الصدق والسلام.

فقد يكون الصدق في بعض الأماكن نتيجة ما يؤول إليه من تبعات ظلمًا لا عدالةً وكذلك السلام أحيانًا بما يؤدي إليه من جرأة على حرمات الإنسانية فإذا كانت العدالة قيمة مطلقة فإن السلام قيمة نسبية نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهًا من وجوه العدالة، ونرفضها إن كانت ظلمًا ولكن التساؤل الأساس هو: ما هي معايير العدالة؟ وكيف نتأكد من تحققها.

إن الأديان السماوية كلها تؤكد على معيارين:

الأوّل: معيار تعبدي نستفيد فيه من علم العالم المطلق وهو الله تعالى ومن تعليمات الدين الثابتة، والتي نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه ذلك أننا نتأكد قبل ذلك من علم الله الشامل، ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته وتمتعه بكل صفات الكمال، فهو لا يريد بالإنسان إلا الخير ولا يخدع الإنسان وإنما يكشف له كل الواقع ويريد له كل الخير.

الثاني: معيار وجداني يكفي فيه التأمل في الأعماق وقناعاتها أو فلنعبّر يكفي فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها.

وما يساعدنا في اكتشاف العمق الفطري هو كون هذه القناعة ـ أيّة قناعة كانت ـ من ملازمات الطبيعة الإنسانية، ولذلك نجدها متوفرةً لدى كل أبناء الإنسان في مختلف ظروفهم وحالاتهم الفردية والاجتماعية وأزمنتهم وأمكنتهم.

ومن هنا كان الوجدان المعيار الوحيد الذي يفصل في الأمر حتى بين من لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت