الصفحة 9 من 13

حماية البيئة

قال سبحانه (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا) [1] ،.

الأمانة هي الفرائض والحدود، والأمانة أبت أن تحملها السموات بكل ما فيها من شموس وأقمار ونجوم وكواكب وفضاء وبكل ما يحدث من سحب وأمطار ورياح وأعاصير، وقد عرض عليها الله أن تحملها، وأبت الأرض كذلك بنباتها ووديانها وأنهارها ومياهها وبحارها وخيراتها، وأبت الجبال أيضًا أن تحمل الأمانة وهي الجبال الراسيات، لا عدم طاعة لله عز وجل وهو خالقها، وما كان لها أن تعصيه، ولكن إشفاقًا من حملها وخوفًا من عدم القيام بأعباء حملها، فأدَّيْن الأمانة ولم يَخُنَّ فيها.

وحملها الإنسان، فأعطاه الله خيرات السموات والأرض والجبال كلها، وجعلها بين يديه، ووصفه الله بالظالم لنفسه الجهول بعاقبة هذا الذي حمله، وتلك حكمة الله فيه، فلم يرعها حق رعايتها، ولم يقم بطاعة الله فيها، فأفسدها، أفسد بيئتها بكيماوياته ومخترعاته ونفاثاته وزيوته ومبيداته ونفاياته، فلوَّث المياه؛ بحارًا وأنهارًا وبحيراتٍ ومياهًا جوفية وينابيع. ولوث الهواء والتراب، وأساء لصحة الإنسان فأفسد جسمه بالترهل والأمراض والعاهات والإصابات، ولوَّث الأخلاق بالمعاصي والاستهلاك المُتْرَف المسرِف، والأوساخ وانتشار البغاء والشذوذ الجنسي والمسكرات والخمور والحشيش والمخدِّرات والظلم، وعاث في الأرض بأنواع الفساد، وبهذا خان الأمانة، وضيَّع المسؤولية ولم يعمل على تلافي الموبقات وآثار المفسدات، فكانت العاقبة (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربِّ لمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرًا. قال كذلك أتتك آياتي فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى. وكذلك نجزي مَن أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى.) [2]

وما العمل لنحمي بيئتنا من هذه الملوِّثات؟:

أولًا: أن نشكر الله عز وجلَّ على نعمه بالطاعة والاستغفار، والإقلاع عن المعاصي (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) [3] ، وقال (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار) [4] .

ثانيًا: العمل في البيئة بإحسان، قال تعالى (فاستبقوا الخيرات) [5] ، وقال صلى الله عليه وسلم"إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن مجَّد الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، و استغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكةً أو عظمًا، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمسي يومئذٍ وقد زحزح عن النار" [6] ، فهذا الحديث دعوة إلى العمل الدائب طيلة النهار، وإنماء للخير، واتصال بالله بالذكر، وتنظيف للبيئة بإزالة المفسدات للطريق، وإصلاح وتعليم وإرشاد للمجتمع، وإبعاد للأذى والمنكر فهو تعامل مع البيئة بإحسان. وقال أيضًا"ما من مسلم يغرس غرسًا إلاّ كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له به صدقة" [7] ، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام عامل أهل خيبر"أي زرَّاعهم"بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر، وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون من تمر وعشرون من شعير [8] ، وقسم عمر رضي الله عنه خيبر ,خيَّر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقطع لهنَّ من الماء والأرض أو يُمضي لهن، فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض، يقول محمد بن عبد الرحمن الصابي الحبيشي مؤلف كتاب"البركة في فضل السعي والحركة"في هذا

(1) الأحزاب / 72.

(2) طه / 125 - 127

(3) نوح / 10 - 11.

(4) آل عمران / 190 _ 191.

(5) البقرة / 148.

(6) رواه مسلم، كنز العمال 1638.

(7) رواه مسلم.

(8) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت