نجازي إلاّ الكفور) فالباء في قوله تعالى"بما"سببية أي بسبب كفرهم، والكفر هنا نكران النعمة.
وقال تعالى (إنَّا بلوناهم [1] كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرِمُنَّها مصبحين [2] . ولا يستثنون [3] . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم [4] . فتنادَوا مصبحين. أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين [5] . فانطلقوا وهم يتخافتون. أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين [6] . وغدوا على حرد [7] قادرين. فلما رأوها قالوا إنا لضالون [8] . بل نحن محرومون [9] .قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون [10] . قالو سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالو يا ويلنا إنا كنا طاغين. عسى ربنا أن يبدلنا خيرًا منها إنا إلى ربنا راغبون. كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.) [11] ،
فهؤلاء قوم أحسنوا في أرضهم وزراعتهم، فحسنت بذلك بيئتهم بنبات الزرع وحسن الإنتاج، فنووا أن يمنعوا حق الله وحق المجتمع حق إخوانهم المساكين، وهذا إفساد للبيئة الاجتماعية، فأذهب الله عنهم حسن البيئة الطبيعية لذلك، واعترفوا بذنبهم (فقالوا إنا كنا ظالمين) أي عاصين حتى أصابنا ما أصابنا، وأمَّلوا من الله أن يبدلهم خيرًا من جنتهم التي بادت، ولكن هيهات فقد فات الأوان ولات حين مندم، فحق عليهم العذاب (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر) . وصدق الله (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأُملي لهم إن كيدي متين) [12] فلا تستغربوا بعد ذلك أن فسدت عليكم بيئتكم.
وقال الله تعالى (فأما ثمود فأُهلكوا بالطاغية [13] . وأما عاد فأُهلكوا بريح صرصر عاتية [14] . سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا [15] فترى القوم فيها صرعى كانهم أعجاز نخل خاوية. فهل ترى لهم من باقية. وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات [16] بالخاطئة. فعصَوْا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) [17]
وما أكثر الأعاصير والزلازل والطوفان والقحط والأمراض التي تنشأ عن المعاصي كالإيدز من الشذوذ، والسيلان من الزنا، والنيل المتصدع والبلهارسيا والملاريا وغيرها من فساد البيئة، وقد قال صلى الله عليه وسلم مصداقًا للحديث الذي سبق أن ذكرناه"لا تزال أمتي بخير ما لم يفشُ فيهم الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب" [18] ، وفي رواية ابن ماجه عن عبد الله بن عمر من حديث، أن رسول الله قال"وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة"أي عمَّ الفقر واشتدت الأزمات وانتشر الذل والضعف [19] .
(1) بلوناهم: اختبرناهم.
(2) ليصرمنها مصبحين: ليقطعون ثمرها في الصباح.
(3) أي لا يفرزون منها حق الزكاة ليؤدوه إلى الفقراء.
(4) أي كالأرض المقطوع شجرها.
(5) أي قاطفين للثمر من صرم بمعنى قطع وقطف.
(6) أي لا تعطوا الفقراء حق الله منها، فكان تخافتهم حتى لا يحس بهم الفقراء فيدخلوا بستانهم فيطلبوا منهم. وقد كان أبوهم يعطي الفقراء منها.
(7) حرد: منع للفقراء.
(8) أي لما رأوها سوداء محترقة قالوا لقد تهنا عن بستاننا.
(9) أي استدركوا أمرهم فعلموا أنه بستانهم فقالوا إنا لمحرومون من ثمرها.
(10) قال خيرهم لولا تسبحون الله تائبين.
(11) القلم / 17 - 33.
(12) القلم / 44 - 45.
(13) الطاغية: الرجفة وهي الزلزلة الشديدة.
(14) صرصر: شديدة الصوت عاتية أي مهلكة
(15) حسومًا: متتابعات.
(16) قرى لوط.
(17) أي زائدة في الشدة. من سورة الحاقة / 10.
(18) رواه أحمد بن حنبل.
(19) الترغيب والترهيب 3/ 169.