وذلك بسبب كسب الإنسان وفعله السيء، بهذه الملوثات التي أوجدها ونشرها نتيجة الصناعات والمصانع والمخترعات، وبالنفايات الضارة المليئة بالجراثيم أو النفايات الذرية التي أودعها باطن الأرض أو رماها في البحر، أو بالمعاصي والمنكرات والمظالم التي أفسد بها حياته، وأضاع أمنه وطمأنينته، ولوث بيئته، مما أدى إلى ظهور الأمراض والآفات الاجتماعية التي لم تكن من قبلُ، قال العلماء"من عصى الله في الأرض فقد أفسد الأرض لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة"ولهذا جاء في الحديث"عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال"أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا (الأمراض الوبائية المؤلمة المزعجة الحاصدة للأرواح) ولم ينقصوا المكيال والميزان إلًا أُخذوا بالسنين (المجاعة والقحط وشدة الجدب وذهاب البركة من الزروع والأزمات الخانقة) وشدة المئونة (الأثقال والهموم والأحزان) وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلاّ سلط الله عليهم عدوًَّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم (كالبترول والتجارة والصناعة والأسواق الحرة والموانئ الحرة ومناجم الذهب) وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى ويتخيروا فيما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم" [1] ."
والظلم من أعظم المفاسد التي تستدعي فساد البيئة، والعدل إذا أقيم كثر الخير ونشط الناس للعمل، ومطروا بالمطر الصيِّب، ورزقوا بالأقوات من كل مكان، قال تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) [2] ، ومن هنا جاء قوله تعالى (ليذيقهم بعض الذي عملوا) . وهو مصداق قوله تعالى (وضرب الله مثلًا قريةً كانت آمنة مطمئنةً يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) [3] ، وقوله (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون) [4] ، والكفران بأنعم الله هو جحودها بعدم العمل بها، وبعدم عمران الأرض وبإهمالها، وعدم طاعة الله، فأصابها الجوع، لأنها أهملت الأرض، والإسلام يدعو إلى الاستفادة من البيئة قال تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) [5] ، وقال صلى الله عليه وسلم"إلتمسوا الرزق في خبايا الأرض" [6] ، والجوع نقص الثمر بقلة المطر، وكثرة الأوبئة لكثرة الملذات والإسراف، وإصابة الخوف الضعف والهوان وتسلط الغير، بسبب الكفران بأنعم الله فلم تستعدَّ، وإهمالها فلم تجاهد، وكسلها فلم تعمل ولم تتق الله.
وقال تعالى (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور.) [7] ، قال المفسرون _ وأيدهم التاريخ _"كانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروا بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ثم أعرضوا عن أمره واتباع رسله فعوقبوا بإرسال السيل عليهم والتفرق في البلاد أيدي سبأ شذر مذر" [8] ، والمعاقبة تحدث للأمة التي تهمل طاعة الله وعبادته، وكل عمل مفيد عند الله عبادة، فإصلاح الأرض وبناء السدود والزراعة والإنبات والحرث من الأمور المادية مثل اتباع الأخلاق العالية والإحسان إلى الناس، والعدل وتجنب الظلم، والأمانة والبعد عن الخيانة، والجهاد وعدم القعود عنه .. كل ذلك عبادة، فإذا لم تُفعل وتُؤدَّ كانت النتيجة أن ترتبط الأسباب بالمسببات، فإذا قلنا إن القحط الذي يصيبنا، والركود الاقتصادي الذي يقع علينا، وكثرة الأمراض التي تنتابنا، وتسلط اليهود علينا، وسيطرة الغربيين وأمريكا علينا وانتهابهم لخيرات بلادنا، إذا قلنا إن ذلك ناشئ عن معصيتنا فهذا صحيح (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل
(1) رواه ابن ماجه واللفظ له ورواه البزار والبيهقي ورواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال"صحيح على شرط مسلم. الترغيب والترهيب للحافظ المنذري 2/ 569."
(2) الأعراف / 96.
(3) النحل /112.
(4) آل عمران / 117.
(5) الجمعة / 10.
(6) كنز العمال / 3039
(7) سبأ /15 - 17.
(8) حاشية الجمل على الجلالين 3/ 467. تفسير ابن كثير 3/ 530.