الحديث فوائد منها اختيار عائشة وحفصة أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الأرض ليَزْرَعْنَها" [1] ، وقد قال أبو جعفر"ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلاّ ويزارعون على الثلث والربع" [2] ، وقال عليه السلام"من أحيا أرضًا ميتة ثقة بالله واحتسابًا كان حقًا على الله أن يعينه وأن يبارك له" [3] ، وقال"سبع يؤجر فيها الرجل ما عمل بهنَّ مَن بعده، مَن بنى مسجدًا له أجره ما دام يصلى فيه (وهذا إعمار للبيئة الاجتماعية) ، ومَن أجرى نهرًا فما دام يجري فيه ماء يشرب منه الناس كان له أجره، ومَن كتب مصحفًا فإن له أجره ما دام يقرأ فيه أحد (وهذا أيضًا نشر للعلم والهدى لإعمار البيئة الاجتماعية، ومنه طباعة المصحف والكتب المفيدة) ، ومن استخرج عينًا ينتفع بمائها كان له أجرها ما بقيت (أي استخراج الآبار الارتوازية والكشف عن الينابيع) ومن غرس غرسًا كان له أجره فيما أكل الناس منه والطير، ومن علَّم علمًا كذلك، ومن ترك ولدًا يستغفر له ويدعو له، [4] ، وواضح في هذا الحديث الدعوة إلى إعمار البيئة الاجتماعية، والبيئة الثقافية وهداية الناس ونشر العلم وحماية البيئة من الجفاف والقحط والضمور والتلوث بالزرع والغرس واستخراج الينابيع والآبار الارتوازية وكثرة النسل الصالح المعمِّر للحياة.
وقال عليه الصلاة والسلام"إلتمسوا الرزق في خبايا الأرض" [5] ، وقال"خير المال سكة مأبورة وفرس مأمورة" [6] ، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"أغلقوا الأبواب، وأوكئوا السِّقاء، وأكفئوا الإناء، وخمِّروا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقًا ولا يحل وِكاءً ولايكشف إناءً، وإن الفُوَيسقة [7] تُضرِم على الناس بيوتهم" [8] ، وقال"لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" [9] ، فهذه الأحاديث دعوة صريحة إلى حماية البيئة ومنع تعرضها لما يفسدها.
وقال الغزالي"القيام بحق العيال بكسب الحلال أفضل من العبادات البدنية، وكان صلى الله عليه وسلم يتخذ الحمى للرعي وللعناية بالمواشي (وهي المسماة بالمحميات اليوم) "
وكان الصحابة والتابعون والأفراد الصالحون يعملون في حماية البيئة وصلاحها، فنبينا عليه الصلاة والسلام كان يعمل بيده، وعلي رضي الله عنه كان يطحن الرحى، وأبو هريرة كان يحمل حزمة الحطب وهو أمير لمروان بن الحكم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم"البركة في التجارة"كما قال"الغنم بركة والإبل عزُّ لأهلها"وقال"خير المال الغنم، وخير المرعى الأراك والسَّلَم"ففيه العناية بالبيئة والمراعي، وقال"اتخاذ النخل بركة"وقال"أكرموا النخلة" [10] وكان يدعو إلى اتخاذ العسل ففيه شفاء وغذاء، وصدق الله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذُلُلًا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيةً لقوم يتفكرون) [11] ،
وقد لام عليه الصلاة والسلام مَن روَّع أمَّ الطير بأخذ فراخها وبيضها، وحمى كلبة كانت ترضع أهراءها من أن يدوسها جيشه الزاحف لفتح مكة المكرمة، ومنع من إيذاء الدواب ودعا إلى الإحسان إليها وعدم تحميلها ما لا تطيق.
وبهذه النصوص من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية وغيرها المليئة بالدعوة إلى تحسين البيئة وتجميلها وتزيينها والعناية بها والحفاظ على الحيوانات الآهلة والبريَّة يظهر روعة ما يدعو إليه الإسلام للحفاظ على البيئة نقية سليمة.
تجنب تلويث البيئة
(1) كتاب البركة / 14.
(2) البركة /51.
(3) رواه الترمذي وأبو د اود.
(4) رواه البزار.
(5) كنز العمال / 3039.
(6) مجمع الزوائد 5/ 852، والسكة: السطر المصطف من الشجر والنخيل، والمأبورة: الملقحة.
(7) الفأرة.
(8) رواه البخاري ومسلم.
(9) رواه البخاري ومسلم.
(10) عبد لرحمن بن علي الوصابي، اليركة في فضل السعي والحركة ... / 201 - 204.
(11) النحل / 98 - 99.