الصفحة 12 من 19

والمعاقبة الربانية لأصحاب الفاحشة غير محصورة على الرمي بالحجارة المهلكة، أو بدمار المساكن والقرى على أصحابها، وإنما قد تأخذ أشكالًا أخرى، مثل أن يسلط الله عليهم أمراضًا فتاكة، كوباء الإيدز، فورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"... لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ...". (سنن ابن ماجة/كتاب الفتن / باب العقوبات) والمراد بالفاحشة هنا الزنا، في إشارة نبوية سبقت ظهور الإيدز وغيره من الأوبئة التي أفرز فعل الفاحشة وشيوعها في أوساط الناس كثيرًا منها.

وقد أثبتت الوقائع والدراسات الطبية والإحصائية الحجم الهائل للمشاكل الصحية والإنجابية والاجتماعية الناجمة عن الانحراف الجنسي، فأشارت تقارير منظمة الصحة العالمية، إلى أن مرض الإيدز تسبَّب عام 1998 في وفاة مليونَيْ شخصٍ في إفريقيا من مجموع ستة ملايين شخص مصاب بهذا المرض في العالم، أي أن هذا الوباء يشكل أخطر قضية صحية تواجه إفريقيا.

مما يؤكد على أن الأخذ بالمنهج الشرعي الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتجاوب مع دوافع الفطرة، ويتناغم مع غرائز الإنسان من ناحية، ويكفل حماية البيئة المجتمعية من مخاطر الأوبئة التي تنجم عن الانفلات بالغريزة على العواهن دون التقيد بضوابط السلامة العامة والخاصة، من ناحية أخرى.

وأرشد الأسوة صلى الله عليه وسلم إلى وسائل تساعد في مواجهة التوقان الجنسي عند تعذر تحقيق الاستجابة الطبيعية له بالزواج المشروع، فحث صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الزواج على الصوم، كوسيلة تعبدية تساعد - إن أُديت على الوجه الصحيح، من سلامة النية، وحسن الإخلاص لله بها- على التخفيف من حدة التوقان الجنسي، فهي تشغل صاحبها بأمر الحاجة إلى الطعام والشراب ولا يبقى مُسيطرًا عليه بالحاجة الجنسية وحدها، هذا بالإضافة إلى أن الصوم كعبادة يتوجه بها الصائم إلى ربه فهي تذكره برقابة الله وحسابه وجزائه، وتشكل بالتالي مانعًا له من الانحراف عن الصراط السوي في تعامله مع دوافعه الغريزية وفي انتقائه نوع استجابته لها.

ولم يقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند الحث على الزواج والنهي عن الفاحشة كسبب رئيس لوباء الإيدز، بل أصدر أوامره بصفته الولي العام لأمر الرعية بمعاقبة مرتكب الفاحشة جلدًا إن لم يكن محصنًا، ورجمًا إن كان محصنًا، تنفيذًا للتشريع الرباني الموحى إليه به بهذا الخصوص، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا ينظر إلى العقوبة إلا بمنظار وأد الفاحشة، ودفع الضرر الناتج عنها، فقد جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ و كرر ذلك ثلاثا والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول له مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ. فَقَالَ: مِنْ الزِّنَى فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبِهِ جُنُونٌ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ أَشَرِبَ خَمْرًا فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَزَنَيْتَ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَقَالَتْ أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ وَمَا ذَاكِ قَالَتْ إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَ آنْتِ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ لَهَا حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ قَالَ فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَ إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ فَرَجَمَهَا". (صحيح مسلم/كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت