المبحث الأول
تعريف الوقف، وبيان مشروعيته
تعريف الوقف لغة: تدلُّ كلمة الوقف على الحبس والمنع.
قال ابن فارس: الواو، والقاف، والفاء: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تمكُّثٍ في شيءٍ ثم يقاسُ عليه ... يقولون للذي يكون في شيءٍ ثم ينزع عنه: قد أوقف.
قال الطرماخ:
جَامِحًا في غِوايَتِي ثم أوقَف ... تُرضا بالتُّقى وذو البرِّ رَاضِي
وحكى الشيباني قوله:
وكل شيءٍ أمسكت عنه، فإنك تقول: أوقفت [1] .
ويأتي الوقف بمعنى الاحتباس والدوام أيضًا، قال في الصحاح وفي القاموس: يقال: وقفت الدابة، تقف وقوفًا، ووقف يقف وقوفًا: دام قائمًا، والوقيفة: الوَعِلُ لحقه الكلاب إلى صخرة فلا يمكنه أن ينزل حتى يصاد [2] .
-تعريف الوقف في اصطلاح الفقهاء:
عُرِّف بتعريفاتٍ عديدة:
1 -عند الحنفيَّة:
هو حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بالمنافع، وهذا عند أبي حنيفة، فلا يزول الملك عنه إلا بالوصيَّة به، أو بقضاء القاضي؛ لأنه فعلٌ مجتهدٌ فيه فينفذ قضاؤه.
وعند الصاحبين: حبس العين على حكم ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة، وهذا بناءً على أن أبا حنيفة لا يجيز الوقف أصلًا؛ أو أنه يجوز عنده ولا يلزم، بمنزلة العارية حتى يجوز له الرجوع فيه في أيِّ وقتٍ شاء، و يورث عنه، فإذا أوصى به، ولم يرجع في وصيَّته لزم بعد الموت، باعتبار أن الوصية لا تنفذ إلا حينئذٍ مع مراعاة أن تكون في حدود الثلث، وأن لا تكون لوارث أو إذا حكم به حاكم حال عدم الوصيَّة به بناءً على ما تقدم.
أما عندهما فالوقف جائز، ويزول ملك الوقف عنه غير أنه عند أبي يوسف يزول بمجرد القول، وعند محمد لا يزول حتى يجعل للوقف وليًا، ويسلِّمه إليه [3] .
وقد عرَّفه بمثل ذلك القونوي في أنيس الفقهاء إلا انه قيَّد التصدُّق بالمنافع على الفقراء [4] ، وهذا التقييد غير مسلَّم؛ لأن الوقف عند من يجيزه يصح على الفقراء، وعلى غيرهم.
2 -عند المالكية:
هو: إعطاء منفعة شيءٍ مدة وجوده، لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا.
(1) معجم مقاييس اللغة، باب الواو والقاف وما يثلثهما6/ 135.
(2) الصحاح، فصل الواو4/ 1445، القاموس، فصل الواو، باب القاف3/ 212.
(3) انظر: مختصر اختلاف العلماء، للجصاص4/ 157، وبدائع الصنائع للكاساني8/ 398، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي3/ 325. .
(4) ص197.