وهذا التعريف يشمل المنفعة المتحصلة من العين سواءً أكانت العين مملوكة للواقف أم لغيره، كما أنه يدلُّ على أن العين باقية على ملك الواقف.
وشرط لزوم الوقف خروجه عن يد الواقف، وتركه الانتفاع به قبل فلسه، وموته، ومرض الموت، فإن حبَّس في صحَّته، وأبقاه في يده مدَّة حياته أو إلى أن فلَّس، أو إلى مرض موته، بطل الوقف، وعاد الموقوف ميراثًا، إذا لم تكن منفعته تصرف في مصرفه.
وعند المالكيَّة لا يشترط التنجيز، ولا التأبيد في صحة الوقف بل يمكن أن يقع معلَّقًا، أو أن يكون مؤقتًا [1] .
عند الشافعيَّة:
حبس مالٍ يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح.
ويصحُّ بناءً على هذا وقف عقار ومنقول يقبل نقل الملك مع دوام الانتفاع به، والعين الموقوفة تنفكُّ عن اختصاص الآدميِّ، فلا تكون ملكًا للواقف، ولا للموقوف عليه، بل هي ملكٌ لله تعالى، وفوائدها الحادثة بعد الوقف ملكٌ للموقوف عليه.
ويشترط له التنجيز والتأبيد، والإلزام بأن لا يكون فيه خيار ولا رجوع ولا بيع ونحوه [2] .
4 -عند الحنابلة:
تحبيس مالكٍ مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرُّفه وغيره في رقبته، بصرف ريعه إلى جهة بِرٍّ.
ويشترط له أن يكون في عينٍ يصحُّ بيعها، والانتفاع بها بلا ضرورة، مع بقائها منقولةً كانت أو عقارًا، وأن يكون الوقف ناجزًا؛ فلا يصحُّ معلَّقًا ولا مؤقتًا.
كما يشترط دوام الانتفاع ببقاء العين، فلا يصحُّ وقف ما لا تبقى عينه بالانتفاع به [3] .
ولدى التأمل في تعاريف العلماء فإنه يمكن استخلاص الأمور التالية:
1 -أنَّ الوقف عملُ من أعمال البرِّ التي يقصد بها التقرُّب لله سبحانه وتعالى، وتحصيل الأجر المرتب على ذلك بما يلحقه من أجر الصدقة الجارية التي ورد ذكرها في الحديث الصحيح: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إلا مِن ثَلاثٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنتَفَعُ بِه، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَه» [4] .
كما أنَّ فيه حفظًا لمصالح الموقوف عليهم بما يعود عليهم من غلَّة الوقف، أو منفعته مدَّةً طويلة.
(1) عقد الجواهر المنيفة، لابن شاس3/ 31 - 40، الحدود لابن عرفة مع شرحه للرصاع، ص411 - 412، الثمر الداني شرح رسالة أبي زيد القيرواني، صالح عبدالسميع الآبي، ص522.
(2) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، لابن حجر الهيثمي، حواشي الشرواني، وابن قاسم العبادي6/ 235 - 238، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي، ص237، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري1/ 256 - 259، الأنوار لأعمال الأبرار للأردبيلي1/ 642 - 646.
(3) المغني لابن قدامة8/ 184 - 234، شرح منتهى الإرادات للبهوتي2/ 489 - 496.
(4) قال الزيلعي في نصب الراية: هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي في الوصايا والترمذي في الأحكام في الوقف من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة3/ 159.