وبيان ذلك: أن ما يصحُّ وقفه هو كلُّ ما يملك، سواءٌ أكان من الذوات = الأعيان، من أرضٍٍ، أو دارٍ، أو حانوتٍ، أو قنطرةٍ، أو مصحفٍ، أو كتابٍ، أو ثيابٍ، أو دابةٍ، وكذا ما يجعل مسجدًا أو رباطًا أو مقبرةً، ويصحُّ أيضًا: وقف المثليات، ووقف الطعام، ووقف النقود: للسلف، إن احتاج إليه محتاجٌ، وينزل ردُّ مثله أو بدله منزلة بقاء عينه، وأيضًا: يصحُّ وقف كلِّ ما مُلِك، ولو كان ذلك المملوك مما لا يجوز بيعه، ويمثَّل له: بجلد الأضحية وكلب الصيد والعبد الآبق. وأيضًا: ولو كان ذلك المملوك جزءًا مشتركًا شائعًا، فيما يقبل القسمة [1] .
وشمل قوله:"ما مُلِك": التعليق، كإن ملكت دار فلانٍ فهي وقفٌ.
وأراد بـ"ما مُلِك": ملك الذوات - كما سبق - وملك المنافع: سواءٌ أكانت منفعة عينٍ يملكها الواقف، كتحبيسه منفعة داره، أم كانت منفعة عينٍ لا يملكها ... الواقف، كمن استأجر دارًا مدةً معلومة، فله وقف منفعتها في تلك المدة، وينتهي الوقف بانتهائها؛ لأنه لا يشترط في الوقف التأبيد، كما يأتي، ولو اتخذ الموقوف مسجدًا، ففي المدونة:"ولا بأس أن يُكرِي أرضه أن تتخذ مسجدًا عشر سنين، فإذا انقضتْ كان النُّقض للذي بناه" [2] .
هذا. وقد نبَّه العلامة الفقيه الشيخ محمد أبو زهرة إلى أن مذهب مالك بيع الهواء = أي الفراغ، فوق أرضٍ أو فوق البناء.
وعليه: هل يجوز وقف الهواء في مذهب مالكٍ، وأجاب: الظاهر أنه يجوز، وتكون منافع البناء مقسومةً بين مالك الأرض، والجهة الموقوفة عليها الأرض، والوقف الذي يتبعه البناء، وإذا كان في الموضوع نظرٌ فهو من جهة القبض، فإذا أمكن تمام القبض في هذا فإن الوقف يجوز" [3] ."
ومن نصوص الأئمة واختياراتهم، التي تشهد لهذا الاتجاه الموسِّع، فيما يصح وقفه:
1 -قول الإمام الفقيه الكبير محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى: ..."ما تعارف الناس وقفه من المنقول فإنه يجوز؛ استحسانًا، وما لم يتعارف الناس وقفه لا يجوز" [4] .
(1) ويجبر عليها الواقف إن أرادها الشريك، وأما ما لا يقبل القسمة ففيه قولان مرجَّحان، وعلى الصحة: يجبر الواقف على البيع إن أراد شريكه، هل يجبر على جعل الثمن في مثل وقفه، أو لا يجبر على ذلك؟ قولان، انظر: الشرح الكبير مع الدسوقي: 4/ 76، وحاشية البناني على شرح الزرقاني: 7/ 74، ومذهب الجمهور صحة وقف المشاع، على تفصيلٍ في ذلك، انظر: الموسوعة الفقهية: 44/ 169 - 172، ويأتي أيضًا.
(2) أي: فالمكتري يوقفها مسجدًا، فإذا انقضت العشر سنين، كان النُّقض، أي: البناء المنقوض إذا هدم، للذي بناه، وظاهره: يفعل به ما شاء؛ لكون الوقف انتهى أجله، فلا يعطى حكم أنقاض المسجد المؤبدة، ونصُّ المدونة نقله في الشرح الصغير: 4/ 101، وشرح منح الجليل: 4/ 36.
(3) محاضرات في الوقف ص 118، ومذهب مالك هو صحة بيع الهواء، وبيع الهواء فوق الهواء، انظر ما كتب على قول صاحب المختصر ص 189:"وهواءٍ فوق هواءٍ، إن وصف البناء".
(4) هناك نصوصٌ متعددةٌ عن الإمام محمد في هذا التأصيل، انظر: المبسوط: 12/ 45، والهداية: 2/ 927، وجملتها في الرسالة القيمة في جواز وقف النقود، لشيخ الإسلام في عصره أبي السعود العمادي: 24 - 27، وعلَّق عليها بقوله:"ولا يخفى على أهل الإنصاف أن كلمة"ما"الواقعة في عبارة الإمام محمد - رحمه الله تعالى - ليست عبارةً عن بعض المنقولات المعهودة ولا مخصَّصة بما ذُكر في الأمثلة، بل هي محرابٌ على عمومها، حسب عموم ما وقع في حيِّز الصلة من التعارف والتعامل."
وتخصيص بعض أمثلة الجواز بالذكر ليس لحصر القول بالجواز، كما أن إفراد بعض أمثلة عدم الجواز بالإيراد ليس لحصر القول بعدم الجواز عليها قطعًا، بل المراد توضيح حال القسمين بالتمثيل، على حسب ما اتفق في عصره من التعارف وعدمه.
فلذلك أخذ مشايخ كلِّ عصر ممن سلك مسلكه يعملون بموجب ذلك العموم، ويجيبون في كلِّ مادةٍ بالإيجاب والنفي حسبما عاينوا في أعصارهم من التعارف وعدمه، من غير تفرقةٍ بين منقول ومنقول، حتى إنهم صرحوا بالجواز فيما صرَّح فيه محمد - رحمه الله تعالى - بعدمه - كما في وقف الحيوان والثياب"."