والإنشاء، والاستمرار والدوام؛ فإن حقيقة الوقف ابتداءً: تحبيسه، ودوامًا: تسبيل منفعته.
ب-"حبس متموَّلٍ مباحٍ، ولو لمدةٍ، على المقاصد المعتبرة" [1] :
الحبْس: المنع، يقال: حَبستُ أحبس حبسًا، وأَحبستُ أحبس أحباسًا، أي: وقفتُ، فهو محبَّسٌ وحبيسٌ، يقع على كلِّ شيءٍ وقفه صاحبه وقفًا محرَّمًا، والجمع: حبائسُ وأحباسٌ وحُبُس.
متموَّلٍ: أي جرى العرف بعدِّه مالًا، مباحٍ: أي أن الشرع أباحه، أو لم يأت بالمنع منه.
ولو لمدَّةٍ: ليدخل فيه صحة الوقف المؤقت، ويأتي تفصيله.
المعتبرة: أي المعتبرة شرعًا، على اختلاف وتنوع جهات البرِّ وصنائع المعروف.
هذا. ويندرج في التعبير بـ"الأصل"في الحدِّ الأول، والمتموَّل المباح في الثاني: وقفُ الأسهم والصكوك والمنافع والحقوق المعنوية؛ لأن لها غلَّةً وريعًا، ولأنَّ لها معنىً اعتباريًا في حكم الأصل؛ فإن أثر الملك الأول - وهو القدرة على التصرُّف - قائمٌ فيها، وهي مما يعبَّر عنه بـ"المنقولات المعنوية"أو"القيم المنقولة".
ضابط ما يصحُّ وقفه = حدُّ المال الموقوف [2] :
المبدأ الفقهي المقرَّر: أن محلَّ التصرف المشروع ينبغي أن يكون قابلًا لثبوت حكم التصرف المراد وأثره، ومقاصد الشرع منه.
وبناءً عليه: كانت الشرائط المطلوبة في المال الموقوف تُستمد من الحكم المترتب على الوقف ومقاصد الشرع فيه، التي عبر عنها أوضح تعبيرٍ وأوفاه، قوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -"احبس أصلها، وسبِّل ثمرتها".
واستصحابًا لمقصد هذا البحث، ورعيًا لما سبق، فإن أوسع المذاهب الفقهية في بيان ما يصحُّ وقفه - هو المذهب المالكي - وقد ذكرت مدوَّناتُه جملة تعريفاتٍ وحدودٍ لما يصحُّ وقفه [3] - لعل أوجزها وأجمعها، وأسلمها من الانتقاد، إضافةً إلى نصاعته ووضوحه - هو التعريف التالي:
"الموقوف: ما مُلِكَ" [4]
(1) هذا التعريف من إنشاء راقم هذا البحث، مقتبسًا من جملة ما وقفتُ عليه من تعريفات، مشيرًا إلى الأقوال المرجَّحة، من اتجاه الموسِّعين فيما يصحُّ وقفه، وفي شرح التعريفين السابقين - انظر: المصادر السابقة، مطالب أولي النهى: 4/ 271، حاشية ابن قاسم على الروض: 4/ 97 - 98، حاشية الدسوقي: 4/ 76، شرح منح الخليل: 4/ 34.
(2) في تفصيل المذاهب والاختيارات، انظر: حاشية ابن عابدين: 3/ 370 - 375، شرح فتح القدير: 5/ 35 - 37، روضة الطالبين: 5/ 314 - 315، مغني المحتاج: 2/ 377، كشاف القناع: 4/ 243 - 244، وجملة ذلك، مع مناقشته في: أحكام الوقف / الكبيسي: 1/ 351 - 392، والموسوعة الفقهية: 24/ 161 - 172، وانظر أيضًا: المصادر الآتية.
(3) أشهرها تعريف الإمام ابن عرفة، انظره مع شرح الرصاع على حدوده: 2/ 539 - 542، راجع مناقشته في المصادر الآتية.
(4) هذا التعريف المختار هو للعلامة الدردير في متنه أقرب المسالك: 165، وفي شرح هذا التعريف انظر الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 4/ 97 - 102، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 4/ 75 - 77، البهجة شرح التحفة: 2/ 224 - 225، شرح منح الجليل: 4/ 35 - 38، الفواكه الدواني: 1/ 244، 225، 227، وما كتب على قول صاحب المختصر:"صحّ وقف مملوكٍ .. ولو حيوانًا ورقيقًا .. ، وفي وقف كطعامٍ ترددٌ"ص 285.