وأن ما هو إحسانٌ صِرْفٌ لا يقصد به ذلك - هو عقود التبرعات - فاقتضتْ حكمة الشرع وحثُّه على الإحسان: التوسعة فيه بكلِّ طريق، بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعًا، وفي المنع من ذلك وسيلةٌ إلى تقليله.
وأيضًا: أن هذه التصرفات من التبرعات، إن فاتت على مَن أُحسن إليه بها لا ضرر عليه، فإنه لم يبذل شيئًا مقابلها.
بخلاف المعاوضات: إذا فاتت بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلتها [1] .
6 -مما ينبغي التذكير به، واستصحابه - هنا في هذا الموضوع - أن موضوع الوقف في حقيقته وطبيعته: معقول المعنى، وهو في آثاره ونتائجه: مصلحيُّ المقصد والغرض.
وعليه: فإن معظم أحكام الوقف اجتهاديةٌ، للرأي فيها مجالٌ، وللنظر فيها وفي تجديدها مدىً وسبحٌ طويل.
وجملة أحكام الأوقاف الفقهية، منها: ما أخذ من النصوص العامة التي تأمر بالإنفاق في سبل الخير، وبصيانة الحقوق وأداء الأمانات، ومنها: ما استنبط من بعض نصوص السنة القولية أو العملية.
ومنها - وهو الأغلب الأكثر: أحكامٌ بُنيتْ على القواعد الفقهية العامة، بطريق القيام على أشباهها في العلل، أو على المصالح المرسلة المبتدئة، أو على الأعراف والعوائد وأنواع التعامل [2] .
تعريف الوقف:
لعلَّ أسلم التعريفات لحقيقة الوقف، وبيان طبيعة عَقده، وأكثرها صلوحًا لغرض هذا البحث ومقصده، من التحقيق لفقهه والمدِّ لأثره = هو أحد التعريفين التاليين:
أ"تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة" [3] :
التحبيس: الإمساك، من الحَبْس وهو المنع، والأصل: ما يصحُّ وقفه، من ذات = عين، أو منفعة، ومن كلِّ متموَّلٍ يمكن الانتفاع به، مباحٍ في الشرع، ويكون المراد بالأصل - هنا - ما هو أعمّ من أن يكون ماديًا حقًا عينيًا، أو معنويًا، من كلِّ مالٍ متقوَّمٍ.
التسبيل: إطلاق فوائد الأصل الموقوف، من ريعٍ وغلةٍ ونفعٍ وعائدةٍ، ونحو ذلك، وهي المعبَّر عنها بالثمرة في هذا التعريف.
وفي هذا التعريف الجمع بين لفظتي التحبيس والتسبيل، الواردتين في قوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه:"احبس أصلها، وسبِّل ثمرتها" [4] . والمراد بيان حالتي الابتداء
(1) انظر: الفروق: 1/ 347 - 348، الفرق: 24، البهجة شرح التحفة: 2/ 250، الغرر وأثره في العقود: 585 - 586.
(2) انظر: إعمال المصلحة في الوقف / سيدي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه: 18، أحكام الأوقاف/ الزرقا: 19 - 20، مع تصرُّفٍ واختصار.
(3) هذا التعريف للإمام الموفق في المغني (6/ 184) ، وعرَّفه في المقنع بقوله:".. وتسبيل المنفعة" (المقنع مع الشرح والإنصاف: 16/ 361) وهو التعريف الذي اختاره وانتهى إليه د. محمد الكبيسي في كتابه أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية، بعد استعراضه جملة تعريفات المذاهب ومناقشتها (1/ 85 - 88) .
(4) هذه رواية النسائي (6/ 232) وابن ماجه (2396) ، وأصل الحديث متفقٌ عليه من حديث سيدنا عمر - رضي الله عنه -، البخاري (2737) ، مسلم (1632) ، وانظر: فتح الباري: 5/ 400 - 401.