تمهيدٌ في بيان
شذرةٍ من المقاصد والمبادئ الشرعية في عقد الوقف
1 -من الضروري المقرَّر: أن حفظ الأموال من قواعد كليات الشريعة، وأن نظام نماء الأموال، وطرق دورانها ترجع إليه جملة مسائل التشريع المالي.
والمقصد الأهم في ذلك كلِّه = حفظ مال الأمة وتوفيره لها، وحصوله حفظه يكون بضبط أساليب إدارة عمومه، وبضبط أساليب حفظ أموال الأفراد، وأساليب إدارتها؛ فإن حفظ المجموع يتوقف على حفظ جزئياته.
فالمال الذي يتداول بين الأمة وينظر إليه على وجه الجملة، حقٌّ للأمة، عائدٌ عليها بالغنى عن الغير.
ومن شأن الشريعة أن تضبط نظام إدارته بأسلوبٍ يحفظه موزَّعًا بين الأمة قدر المستطاع، وأن تعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه، بقطع النظر عن كون المنتفع به مباشرةً أفرادًا خاصة، أو طوائف أو جماعاتٍ صغرى أو كبرى.
ومن أهم جهات توازن الأمم في السلطان على هذا العالم: جهة الثروة، فبنسبة ثروة الأمم إلى ثروة معاصريها من الأمم تعدُّ الأمة في درجةٍ مناسبةٍ لتلك النسبة في قوتها، وحفظ كيانها، وتسديد مآربها، وغناها عن الضراعة إلى غيرها [1] .
2 -عقود التبرعات قائمةٌ على أساس المواساة بين أفراد الأمة، الخادمة لمعنى الأخوة، فهي مصلحةٌ حاجيةٌ جليلةٌ، وأثر خلقٍ إسلاميٍّ جميلٍ، فبها حصلت مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجمّ من مصالح المسلمين.
ورأس عقود التبرعات وأبعدها مدىً وأثرًا وعائدةً هي الأوقاف والحُبُس، فالمقصود منها: التمليك والإغناء، وإشاعة البرّ والمعروف، وإقامة المصالح العامة للأمة.
3 -ومن مقاصد الشريعة في الأوقاف والحُبس:
التكثيرُ منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة، ودلَّت أدلة الشريعة على الترغيب فيها. فجعلتها من العمل غير المنقطع ثوابه بعد الموت:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية ... الحديث" (مسلم: 1631) .
والصدقات الجارية والأوقاف التي كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن أصحابه - رضي الله عنهم - كثيرةٌ، انتفع المسلمون بآثارها.
4 -التوسُّع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرِّعين، ووجه هذا المقصد: أن التبرُّع بالمال عزيزٌ على النفس، فالباعث عليه أريحيةٌ دينيةٌ، ودافعٌ خلقيٌّ عظيم، وهو مع ذلك لا يسلم من مجاذبة شح النفوس تلك الأريحية وذلك الدافع في خطراتٍ كثيرة {الشَيْطَانُ يَعِدُكُمْ الفَقْرَ} [البقرة 268] . وفي التوسُّع في كيفية انعقاد التبرُّعات خدمةٌ للمقصد الأول من التكثير منها [2] .
5 -عقود التبرُّعات لا يؤثر في صحتها الجهالة، ولا يجتنب فيها الغرر، وتقرير ذلك:
أن ما يجب تجنب الغرر والجهالة في إنشائه من التصرفات هو عقود المعاوضات، والتصرفات التي يقصد بها تنمية الأموال وتحصيلها.
(1) 1: مقاصد الشريعة / للإمام ابن عاشور: 455 - 456، مجموعًا باختصار.
(2) 2، 3، 4: مقاصد الشريعة / ابن عاشور، 487 - 492 باختصار، وقد عرَّف المواساة بأنها:"كفاية حاجة محتاج الشيء، مما به صلاح الحال"، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام / ابن عاشور: 221.