المنافع التي يصحُّ وقفها [1] :
والمنافع التي يصحُّ وقفها في المذهب المالكي هي المنافع المتقوَّمة، أي: المباحة شرعًا، ولو كانت مما لا يصحُّ بيعه.
ويصحُّ في المذهب المالكي - وقف منفعة العين المستأجرة - كما سبق، لكنهم لم يجيزوا وقف المرهون والعين المؤجرة منجزًا حال تعلق حق الغير به؛ لأن في تصحيح وقفها إبطالًا لحق المرتهن والمستأجر.
هذا. ولا يشترط المالكية كون الموقوف ملكًا للواقف وقت الوقف، فيصح تعليق الوقف، ولا يحتاج إلى إنشاءٍ جديدٍ إذا حصل ما علِّق عليه.
حكمة الوقف بين التأبيد والتوقيت:
-إن أهمية مبدأ"التأبيد"في الوقف تأتي من رعي الشرع مصالح الناس، وحاجتهم إلى قيام مصادر دائمة؛ لإنتاج آثارٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ عامة.
-كما أنه يسهم في تحرير كثيرٍ من موارد المجتمعات وثرواتها المتمثلة في أفرادٍ؛ لتنقل - رغبةً في الأجر الدائم الذي لا ينقطع - إلى ملكية المجتمع، ويصبح الوقف قناةً جاريةً يتدفق عبرها جزءٌ من هذه الموارد؛ لتحقيق التكافل، والتغلب على الفقر، وتخفيف آثار الحاجة والعوز.
ومبدأ"التوقيت"في الوقف ومرانته يفتح أبوابًا للخير وفعل المعروف قد لا تستوعبها صرامة"التأبيد".
والتجارب المعاصرة في العمل الخيري تشهد أن الوقف يمكن أن يقوم على هاتين الدعامتين التأبيد والتوقيت معًا، فلكلِّ واقفٍ أحواله وقدراته وإمكاناته، ولكلِّ عمل خير وجهة برٍّ ما يلائمها، ويقوم بمصالحها {ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} .
-إن المجتمعات المعاصرة، والحياة في هذا الزمن الصعب قد أوجد حاجات عامة كثيرة، منها ما هو دائمٌ بطبيعته، ومنها ما هو غير دائم، كما أن من الأوقاف ما ينتهي بفناء مال الوقف نفسه، ومنها ما يعود فيه مال الوقف إلى الواقف عند انتهاء المدة التي وقف لها.
وأيضًا: فإن نطاق الوقف المؤقَّت أشمل وأكثر اتساعًا من نطاق الوقف المؤبَّد؛ ذلك لأن هذا يتطلب استمرار المادة الموقوفة ودوامها، بينما الوقف المؤقت الذي يكون لمدة محددة، قد تنتهي بعدها حياة المادة الموقوفة، أو يستردُّها الواقف لها.
صور وتطبيقات لوقف المنافع [2] :
-استئجار الشقق أو الدارات، وجعلها مسجدًا، أو مصليات، أو مراكز ومدارس إسلامية، مدةً معلومةً مؤقتةً، كما هو حال كثيرٍ من الجاليات والأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين [3] .
-وقف الأبنية والمساكن - لإيواء الفقراء والمساكين وإسكانهم، وبخاصة زمن الحروب والكوارث الطبيعية.
(1) راجع - لزامًا - ما سبق، تحت عنوان ضابط ما يصحُّ وقفه.
(2) أفدتُ - في بعض هذه الصور والتطبيقات - من: الوقف الإسلامي / د. منذر قحف: 183 - 192.
(3) تقدَّم - في ضابط ما يصحُّ وقفه - نقل نصُّ المذهب المالكي، على صحة هذا التطبيق.