الصفحة 16 من 27

وقف المنافع وتحبيسها [1] :

كان توقُّع تأصيل مالية المنافع لدى جمهور الفقهاء أن يطَّرد ذلك في صحة وقفها وتحبسها = لكن مذاهب الفقهاء اختلفت في ذلك، وتقاصر جمهورها عن صحة وقف المنافع، فكانت كما يلي:

الاتجاه الأول: لا يصحِّح وقف المنافع دون الأعيان = الرقاب.

وهو مذهب الحنفية، والمنع عندهم لأن المنافع ليست أموالًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، والمنع عندهم لاشتراطهم أن يكون الموقوف عينًا، ينتفع بها مع بقاءها، كما أنهم جميعًا يشترطون تأبيد الوقف.

الاتجاه الثاني: ذهب المالكية إلى صحة وقف المنافع، كالركوب والحمل والخدمة، ... ويصحُّ عندهم وقف منفعة العين المستأجرة.

تأصيل مشروعية وقف المنافع، وصحة توقيت الوقف = الوقف المؤقت:

بنى المالكية مذهبهم في صحة وقف المنافع على أصلهم في عدم اشتراط التأبيد في الوقف، وأنه يصح تأقيت الوقف.

وإذا صح الوقف مؤقتًا غير مؤبد، فإنه لا يشترط أن يكون الموقوف صالحًا للبقاء الدائم الذي لا يتغير، وعليه: صحة وقف المنافع والحقوق، وأيضًا: لتموُّلها بين الناس.

ومذهب جماهير الفقهاء اشتراط التأبيد في الوقف، والدوام والاستمرار في المال الموقوف؛ تحقيقًا لمعنى"الصدقة الجارية".

وذهب المالكية إلى صحة الوقف المؤقت، سواءٌ أكان هذا الوقت قصيرًا أم طويلًا، وسواءٌ أكان مقيَّدًا بمدةٍ زمنيةٍ، كقوله: وقفتُ حديقتي أو أسهمي على الفقراء مدة سنةٍ، أم كان مقيدًا بحدوث أو تحقق أمرٍ معيَّنٍ، كقوله: داري موقوفة على الفقراء ما دمتُ في الوظيفة، أم قيِّد بحياة شخصٍ معيَّن.

فيرجع الوقف بعد انتهاء المدة، أو انتفاء القيد أو موت المعيَّن، يرجع ملكًا للواقف إن كان لا يزال حيًا، أو لورثته إن كان ميتًا، ويجوز التصرُّف فيه - عندها - بكلِّ ما يجوز فيه التصرف في غير الموقوف.

والقول بصحة توقيت الوقف وجهٌ لدى الحنابلة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف في المذهب الحنفي، وينسب لأبي العباس بن سريج من الشافعية.

واستدلَّ أصحاب هذا الاتجاه المرجّح، بما يلي:

-أن حقيقة الوقف"تسبيل المنفعة"، وقد حثَّ الشرع الشريف عليها، كحثِّه على سائر الصدقات، والصدقات تجوز مؤقتةً وتجوز مؤبَّدة، ولا دليل يوجب كون الصدقة مؤبَّدة.

-كما أن للمرء أن يتقرَّب بماله أو ببعضه = جاز أن يتقرَّب به في كلِّ الزمان، أو بعضه، وهو الوقف المؤقت.

-من المقرَّر: أن الواقف له أن يقيِّد بشروطه أوجه الانتفاع بأعيان الوقف وغلاَّته، فإذا جاز هذا التقييد: جاز تقييد الوقف بمدةٍ، وهو الوقف المؤقت.

(1) راجع لزامًا ما تقدَََم بسطه وتحقيقه فيما يصحُّ وقفه، وانظر - هنا: بدائع الصنائع: 6/ 220، حاشية ابن عابدين: 3/ 365 - 367، مغني المحتاج: 2/ 382 - 383، شرح منتهى الإرادات: 2/ 497، الإنصاف: 16/ 375 - 376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت