الصفحة 15 من 27

-وسأله رجلٌ قال: إن أبي مات، وقد دخل لهؤلاء، وقد ورثتُ أرضين , أو قال: أرضًا - يعني من السواد - فقال له الإمام: أوقفها على قرابتك، أو قال: على أهل بيتك، ومَن عرفتَ من أهل الستر.

-وسئل عن رجلٍ في يده أرضٌ أو كرْمٌ، يعلم أن أصله ليس بطيب، ولا يعرف صاحبه؟ فقال الإمام: يوقفه على المساكين.

-وسئل: مَن كان له دار في الرَّبض أو القطيعة، فأراد أن يخرج منها ويتنزَّه عنها، كيف يصنع؟ فقال الإمام: يوقف، قال السائل: لله، قال: نعم، قال السائل: وسألته عن القطائع توقف؟ قال الإمام: نعم، إذا كان للمساكين، ترجع إلى الأصل، إذا جعلها للمساكين [1] .

ثم إن هناك صيغةٌ أخرى من صيغ التبرُّع مشابهةٌ للوقف هي الإرصاد عبَّر عنها الفقهاء؛ لتكييف ما يوقفه السلاطين من الأموال العامة؛ لأن مالكها غير محدّد، فلم يتحقق فيها شرط ملكية الواقف لما يقفه، وهي تصلح لوقف الأموال الخبيثة [2] .

كما يشهد لذلك أيضًا، ما جاء في قرار هذا المجمع الموقر (13/ 1/3) ، حول استفسارات البنك الإسلامي للتنمية، بخصوص التصرُّف في فوائد الودائع التي يضطر البنك الإسلامي للتنمية لإيداعها في المصارف الأجنبية، جاء في هذا القرار ما يلي:

".. يجب أن تصرف تلك الفوائد في أغراض النفع العام، كالتدريب والبحوث، وتوفير وسائل الإغاثة، وتوفير المساعدات المالية للدول الأعضاء، وتقديم المساعدة الفنية لها، كذلك للمؤسسات العلمية والمعاهد والمدارس، وما يتصل بنشر المعرفة الإسلامية".

تعريف المنافع، وتموُّلها:

جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يختارون أن"المنافع"مالٌ متقوَّمٌ، وهو الاتجاه المرجَّح المقدَّم لدى جملة الفقهاء المعاصرين [3] .

فالعرف العام المطَّرد اعتبر المنافع أموالًا، وجعلها محلاًّ للاستثمار، وجملةٌ من العقود قائمةٍ على المنافع، كالإجارة والجعالة والاستصناع.

وتبذل الأموال في تحصيلها، بل هي أصل التموَّلات وثمرتُها، وفي عدم اعتبارها مالًا ضياعٌ لكثير من المصالح.

وتعرَّف المنفعة بأنها:"الفوائد العرضية التي تستفاد من الأعيان بطريق استعمالها".

وقد تشمل في الاختيار والاستعمال الفقهي لدى بعض المحققين: الفوائد بنوعيها العرضية والمادية.

(1) في بيان هذا النص الأخير بخصوصه - انظر: المبدع: 5/ 316. وقد كنتُ متردِّدًا كثيرًا في الميل إلى هذا الاتجاه، مع النصوص الجليلة، من مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} ، وقوله تعالى: {قُلْ لاَ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا" (مسلم 1015) ، وأعددتُ رأيي وقلمي لمناقشته وتقوية المنع، إلى أن وقفتُ على نصوص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - هذه، فكففتُ، فهو إضافةٌ إلى إمامته في الفقه إمامٌ في الورع.

(2) الأحكام الفقهية للوقف / د. عبد الستار أبو غدة: 65، وفي معنى الإرصاد - انظر: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء: 49 - 50، أحكام الوقف / د. الكبيسي: 1/ 363، وندوة حوار الأربعاء، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز 1/ 8/1425هـ،"الإرصاد، هل يختلف عن الوقف؟"، د. رفيق المصري.

(3) انظر تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في: الملكية / أ. د. عبد السلام العبادي: 1/ 180 - 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت