الصفحة 14 من 27

حكم وقف الصكوك والأسهم المحرمة:

مما يتعلَّق بوقف الأسهم والصكوك، السؤالُ عن وقف الأسهم والصكوك التي يحرم الاشتراك فيها، حال عزم مالكها التخلِّي عن ملكيَّتها، وإرادته التبرُّع بها أصلًا وريعًا لجهة برٍّ لا تنقطع، وقصده وقفها وتحبيسها، فهل يصحُّ وقفه لها؟

جليٌّ - في مبلغ العلم - أن هناك اتجاهًا مقدَّمًا مرجَّحًا لدى جملة من الأئمة والمحققين [1] :

أن للإنسان التصدُّق بالمال المحرَّم، إرادة التخلُّص من خبث الحرام والتحلُّل من إثمه، لا بقصد ابتغاء الأجر والثواب،"فالمعصية لا تكون سببًا للنعمة والرحمة" [2] .

لكن هل يشمل هذا الاتجاه أمر الوقف لها، فإن فيه - مضافًا إلى ما سبق: عدم صدور الوقف لها عن مالك؛ لفَقْد التقوم الشرعي للتصرُّف الذي قبضها به، فهو يخرجه على أنه خَبَث لحق بماله وذمَّته، ويريد وقفه ليطهِّر ماله ويبرئ ذمته.

لكن هذا الاتجاه المرجَّح مقيَّدٌ بألا يكون في إقامة المساجد أو دور القرآن الكريم، وطباعة المصحف الشريف، وسائر ما يقصد به التعبُّد المحض [3] .

وفعله هذا يسمى صدقةً وحَبْسًا بالنظر إلى أثره ومن وُقِف عليه من الفقراء والمساكين، أو المصالح العامة للمسلمين، لا بالنظر إلى المعطي أو الواقف، فهو إنما يخرجه لأجل أن تقبل توبته،"فخبثه لخبث مكسبه، لا لظُلم مَن أُخِذ منه، وطريقه: التخلص منه، وتمام التوبة: الصدقة به" [4] .

وقد وقفتُ على نصوصٍ نادرةٍ عن الإمام الجليل أحمد - رضي الله عنه - في وقف المال المحرَّم.

ولكونها لعلَّها تجلَّى لأول مرةٍ أمام الباحثين، وحاسمةً في شأن وقف المال الحرام بخصوصه، لا بعموم التحلُّل من المال المحرَّم، فإني أقتصر عليها، وأحيل إلى نظائرها.

عقد الإمام الخلاَّل في"كتاب الوقوف"من جامعه الكبير لمسائل الإمام أحمد، بابًا بعنوان: وقف ما تنزَّه عنه من الأموال [5] .

وفيه جملة مسائل وجِّهت إلى الإمام أحمد، في هذا المعنى، ألخِّصها وأجوبتها فيما يلي:

-سئل عن رجلٍ مات وترك ضياعًا، وقد كان يدخل في أمورٍ تكره، فيريد بعض ولده التنزُّه؟ فأجاب الإمام: إذا أوقفها على المساكين، فأيُّ شيءٍ بقي عليه؟ واستحسن أن توقف على المساكين.

(1) في هذه المسألة الجليلة، وأبعادها وتأصيلها وذكر نظائرها وبيان فروعها - انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية: 28/ 592 - 599، 29/ 307 - 309، 321، وكلامه فيها وفي نظائرها كثيرٌ منتشرٌ، ومن ذلك: فصل: فيمن أوقع العقود المحرمة، ثم تاب منها، وقاعدة: الأموال التي يجهل مستحقها مطلقًا أو مبهمًا، وقال فيها:"... ويتفرع على هذه القاعدة ألفٌ من المسائل الواقعة"، زاد المعاد: 5/ 778، وقال عنها:".. قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام"، وجامع العلوم والحكم: 1/ 263 - 269، وفيه وفيما سبق الإشارة إلى الاتجاهات الأخرى، فتاوى الشيخ ابن إبراهيم: 7/ 178، فتاوى الشيخ القرضاوي: 1/ 527، أحكام المال الحرام / د. عباس الباز: 166 - 182، 355 - 365، 369، 371 - 385، 387 - 396، 397، 412، وفي خصوص التحلُّل من المال الحرام بالوقف - انظر: الأحكام الفقهية للوقف / د. عبد الستار أبو غدة: 64 - 65، وما يأتي.

(2) مجموع الفتاوى: 21/ 486.

(3) انظر: أحكام المال الحرام: 302 - 313.

(4) زاد المعاد: 5/ 779، ر. أ: أحكام المال الحرام: 405 - 411.

(5) كتاب الوقوف / الإمام الخلاَّل: 1/ 442 - 444.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت