واستُدلَّ لهذا القول المقدَّم المرجَّح، بما يلي:
1 -في بعض ألفاظ حديث سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المعروف، في شأن الوقف: قوله:"إن المئة السهم التي لي بخيبر ..."الحديث [1] .
2 -حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - المعروف في شأن توبته، وفيه:"قلتُ يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال: أَمْسِكْ عليك بعضَ مالك، فهو خيرٌ لك. قلتُ: أُمْسِكُ سهمي الذي بخيبر".
وبوَّب عليه الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه بقوله:"بابٌ: إذا تصدَّق أو وقف بعض رقيقه أو دوابِّه فهو جائزٌ" [2] .
قال الحافظ ابن حجر:"ويؤخذ منها جواز وقف المشاع، وشاهد الترجمة منه قوله:"أمسك عليك بعض مالك"؛ فإنه ظاهرٌ في أمره بإخراج بعض ماله، وإمساك بعض ماله، من غير تفصيلٍ بين أن يكون مقسومًا أو مشاعًا، فيحتاج من مَنَع وقف المشاع إلى دليل المنع" [3] .
3 -ما علَّقه الإمام البخاري مجزومًاَ به حيث قال:"وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله" [4] .
4 -أن مقاصد الشرع من الوقف والحبس تحصل في المشاع كحصولها في المفرز، بل هي مع التطبيقات المعاصرة لوقف المشاع قد تكون أكثر تحققًا، وأجلى ظهورًا.
وعلى هذا الرأي المختار جاءت جملة التشريعات المنظمة لأحكام الوقف، قال العلامة الفقيه الجليل الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله تعالى - ناقلًا معلِّقًا، ومؤصِّلًا معلِّلًا:"يجوز وقف حصص وأسهم شركات الأموال المستغلَّة استغلالًا جائزًا ومشروعًا، وأن هذه الأسهم وتلك الحصص، وإن كانت تدلُّ على ملكيةٍ شائعةٍ، فيما لا يقبل القسمة = لا يؤدي الشيوع فيها إلى نزاع."
وهي مما يجري فيه البيع والشراء، وهي في عرف التجار أموالٌ قائمةٌ بذاتها، تشبه عروض التجارة؛ إذ يُتجَّر فيها، وهناك رجال مالٍ عملهم الاتجار فيها، فهي في ذاتها تشبه الأموال المنقولة ولا يلتفت فيها عند البيع والشراء إلى كونها حصصٌ شائعةٌ إلا بقدر مركز الشركة المالي والاستغلالي، وقوة ميزانيتها" [5] ."
المسار الثاني: الوقف الجماعي / المشترك:
صورةٌ رائعةٌ راقيةٌ من صور التعاون على البر والتقوى، تتجلَّى فيها إشاعة الخير، والإعانة على صنائع المعروف، وتتمثَّل في نقل إمكانية التحبيس والقدرة على الوقف إلى عموم المسلمين، عبر المساهمة في وقفٍ خيري، بشراء سهمٍ أو عدة أسهمٍ، حسب القدرة وحسب الفئات المحدَّدة، في مشروعٍ معين، ينفق ريعه على أوجه الخير المحددة، وفقًا للسهم، ونشرة الإصدار، وشروط الجهات المصدرة، مما يلائم رغبة المساهم.
(1) أخرجه النسائي (6/ 232) ، وابن ماجه: (2396) .
(2) الصحيح مع الفتح: 5/ 386.
(3) فتح الباري: 5/ 386.
(4) الصحيح مع الفتح: 5/ 106.
(5) محاضرات في الوقف: 109.