فيها إحياءٌ لسنة الوقف، وتجميع الحصص الصغيرة، والأنصبة المحددة، لخدمة مشروعات العمل الخيري، وتمويل وتنمية موارده.
أصبح يطلق عليها في الاصطلاح الفقهي المعاصر بـ"الوقف الجماعي"أو"المشترك"، ويقصد به: الوقف الذي يشترك فيه جماعةٌ من الناس أو جهاتٌ متعدِّدةٌ، يسهم كلٌّ منها فيه بما يقدر عليه.
تأصيل مشروعية الوقف الجماعي / المشترك:
تأصيل مشروعية الوقف الجماعي يشهد له كل ما يذكر في مشروعية الوقف، بوجهٍ عام، وأيضًا صحة الوقف المشاع، مضافًا إليه ما سبق ذكره من مقاصد الشريعة في التبرعات.
لكن بخصوص شأن الوقف الجماعي المشترك، يذكر ما يلي:
-حديث أنسٍ - رضي الله عنه - قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد، فقال:"يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل".
وقد بوَّب عليه الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -:"بابٌ: إذا وقف جماعةٌ أرضًا مشاعًا فهو جائز" [1] .
-حديث أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من بنى لله مسجدًا، قدر مفحص قطاةٍ، وفي رواية: لو كمفحص قطاةٍ، بنى الله له بيتًا في الجنة" [2] .
وموضع الشاهد منه:"ولو كمفحص قطاةٍ"؛ لأن المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة، فالمعنى: أنه يزيد في مسجدٍ قدرًا يحتاج إليه، ولو كانت الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجد، فتقع حصة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر" [3] ."
التكييف الفقهي والحكم الشرعي للصناديق الوقفية:
تتنزَّل مشروعية الصناديق الوقفية على مسألة"وقف النقود" [4] ، وهو مذهب المالكية، والمرجَّح للتعامل والعرف عند الحنفية، ووجهٌ عند الشافعية، وإليه ميل الشيخ تقي الدين بن تيمية، وإليه انتهى قرار المجمع الفقهي الدولي في قراره رقم 140 (6/ 15) بشأن الاستثمار في الوقف وغلاَّته وريعه، حيث جاء فيه ما يتعلَّق بوقف النقود ما يلي:
1 -"وقف النقود جائز شرعًا؛ لأن المقصد الشرعي من الوقف هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة فيها؛ ولأن النقود لا تتعين بالتعيين وإنما تقوم أبدالها مقامها."
(1) الصحيح مع الفتح: 5/ 398 - 399.
(2) الحديث أخرجه: ابن حبان، الإحسان (1611) ، والطبراني في الصغير: 2/ 138، والبزار: (كشف: 401) ، والبيهقي: 2/ 437، وغيرهم، عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه -، وأصله متفقٌ عليه: البخاري (450) ، مسلم ... (533) .
(3) انظر: نيل الأوطار: 1/ 690.
(4) في مسألة"وقف النقود"انظر: أبحاث مجلة الفقه الإسلامي الدولي، الدورة 15، حاشية الدسوقي: 4/ 77، وحاشية ابن عابدين: 3/ 374، 375، والرسالة القيمة المؤصَّلة لشيخ الإسلام أبي السعود العمادي"في جواز وقف النقود"، روضة الطالبين: 4/ 380، ومجموع الفتاوى: 31/ 234 - 240، وفيه تأصيلٌ وتوجيه لأقوال الأئمة ونصوصٌ نادرة، ووقف النقود صحيحٌ سواءٌ للقرض، أو القراض = المضاربة، أي: للتنمية والاستثمار، كما في قرار المجمع، وتعليلات الأئمة. راجع: الوقف الإسلامي / د. منذر قحف: صورٌ جديدة من الأوقاف النقدية والمختلطة: 193 - 203.