فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 11

وفصل ابن رشد فقال: وذلك أن من باع شيئًا إلى أجل ثم اشتراه، فإما أن يشتريه إلى ذلك الأجل بعينه أو قبله، أو بعده، وفي كل واحد من هذه الثلاثة، إما أن يشتريه بمثل الذي باعه منه، وإما بأقل، وإما بأكثر يختلف من ذلك في اثنين؛ وهو أن يشتريها قبل الأجل نقدًا بأقل من الثمن، أو إلى أبعد بأكثر من ذلك الثمن، فعند مالك وجمهور أهل المدينة أن ذلك لايحوز، وقال الشافعي وداود وأبو ثور يجوز، ومن منعه فَوَجْهً منعه اعتبار البيع الثاني بالبيع الأول، فاتهمه أن يكون إنما قصد دنانير في أكثر منها إلى أجل، وهو الربا المنهي عنه فزَوَّرا هذه الصورة ليتصلا بها إلى الحرام مثل أن يقول قائل لآخر: أسلفني عشرة دنانير إلى شهر وأرد لك عشرين دينارًا فيقول: هذا لا يجوز، ولكن أبيع منك هذا الحمار بعشرين إلى شهر ثم أشتريه لعشرة نقدًا.

وأما في الوجوه الباقية فليس يُتهم فيها أنه إن أعطى أكثر من الثمن في أقل من ذلك الأجل لم يتهم، وكذلك إن اشتراها بأقل من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل [1] , ويستشهدون بحديث أبي العالية عن عائشة بحديث عائشة أنها سمعتها وقد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت من زيد عبدًا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة، فقالت عائشة: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب، قالت: أرأيتِ إن تركتُ وأخذت الستمائة دينار، قالت: نعم - فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف.

قال ابن رشد: والشافعي وأصحابه: لا يثبت حديث عائشة وروي مثل قول الشافعي عن ابن عمر.

وقال الشعراني في الميزان أن الشافعي اعتبر هذا العقد صحيحًا مع الكراهة لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول [2] .

ورأي الحنابلة في التورق أنه غير جائز كما بينا فالمرداوي في كتاب"الإنصاف"ينص على أنه لو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين فغير جائز، وهو المذهب عند الحنابلة ويسمى"التورق". [3]

ومما يذكر بمناسبة الحديث عن بيع العينة ... أن المشيخة الإسلامية في أواخر الدولة العثمانية أفتت للمحاكم الشرعية أن تستثمر أموال اليتامى الذين ترعاهم لمحاكم بإنشاء دائرة للأيتام في كل محكمة شرعية أن تستثمر أموال اليتامى ببيع العينة بناء على مذهب الحنفية، وجرت على ذلك المحاكم الشرعية في الضفتين الأردن وفلسطين في تنمية أموال اليتامى، حتى راجعنا في أواخر الستينات قاضي القضاة بالنيابة السيد بشير الصباغ (رحمه الله) بضرورة العدول عن بيع العينة لأنه حيلة من حيل الربا في رأي الإمام محمد بن الحسن، وأن الأولى أن ننقي أموال الأيتام من هذه الشبهة فاستجاب لنا بعد أن استفتى قضاة محكمة الاستئناف الشرعية وبعض القضاة الشرعيين في الأردن فأفتوا بضرورة التخلص من هذه المعاملة ومن مديري الأيتام في المحاكم الشرعية من اللجوء إلى هذه المعاملة ريثما نلجأ إلى استثمار أموال اليتامى بطريق مشروع ليس فيه شبهة، لكن الوزارة التي كان فيها عضوًا إستقالت، فجاء قاضي القضاة بعده فاستفتى القضاة أنفسهم بالرجوع إلى التعامل بالعينة فأفتوا برأي الإمام أبي يوسف من الحنفية قاضي القضاة وعادت دوائر الأيتام في المحاكم الشرعية إلى التعامل بها. ثم تولت وزارة الأوقاف الأردنية أمر الإشراف على استثمار أموال الأيتام فاستمرت في التعامل ببيع

(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد 2/ 154.

(2) القوانين الفقهية لابن جُزَيّ / 171.الميزان للشعراوي 2/ 70.

(3) الإنصاف 4/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت