الصفحة 5 من 12

وقد يستشكل هذا بأن المنفعة التي صارت ثمنا في البيع (في مسئلة البحر الرائق) أو أجرة في الإجارة (في مسئلة المدونة) موجودة عند العقد، فلا يقاس عليها العقد المبحوث فيه، حيث إن المنفعة التي جعلت ثمنا للاستصناع معدومة عند العقد. ويمكن أن يجاب عنه بأن قضية الاستصناع غير قضية البيع، والإجارة، فإن العين المبيع في البيع، والمنفعة المعينة المستأجرة في الإجارة، موجودتان عند العقد، فيجب أن يكون العين أو المنفعة بدلهما موجودا. أما الاستصناع فالمبيع فيه معدوم، وإنما أجيز العقد لمكان الحاجة والتعامل فلابأس إن كان بدله مثله في كونه معدوما، مثل أن يستصنع زيد خزانة من عمرو بأن يصنع له عمرو منضدة. والظاهر أن العقد جائز، مع كون كل من البدلين معدوما عند العقد. فإن كانت المنفعة التي جعلت بدلا للاستصناع سوف تحدث بصنعة الصانع نفسه، فلايضر كونه معدوما بالطريق الأولى لأن وجود المنفعة التي هي الأجرة موقوف على إنجاز الصانع للمشروع، وهذا الإنجاز نفسه هو المعقود عليه في الاستصناع، ولا يستحق الصانع الثمن إلا بالإنجاز، ومتى حصل الإنجاز، وجدت المنفعة التي هي الثمن، فصار وجود الثمن لازما لو جود المبيع.

فلا إشكال من جهة كون المنفعة معدومة عند العقد. نعم قد يتأتى هناك إشكال آخر وهو كون هذه المنفعة إنما تحدث بفعل الصانع، فتتأتى فيها مسئلة قفيز الطحان، وهذا يأخذنا إلى النقطة الثانية التي أشرنا إليها.

مسألة قفيز الطحان

ووجه الإشكال من هذه الجهة أن جمعا من الفقهاء حكموا بفساد الإجارة إن كانت الأجرة المشروطة لا تحدث إلا بفعل الأجير، والمسألة مشهورة في الفقه بمسألة قفيز الطحان، فقد ذكر الفقهاء أنه لو استاجر رجل طحانا ليطحن دقيقه، واشترط أن يكون قفيز من الدقيق المطحون أجرة طحنه، فإن ذلك لايجوز. يقول العلامة الكاساني رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن شرائط صحة الأجرة:

"ومنها أن لاينتفع الأجير بعمله، فإن كان ينتفع به لم يجز، لأنه حينئذ يكون عاملا لنفسه فلا يستحق الأجر ... وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا ليطحن له قفيزا من حنطة بربع من دقيقها أو ليعصر له قفيزا من سمسم بجزء معلوم من دهنه أنه لايجوز، لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر، فيكون عاملا لنفسه". [1]

" (ولو دفع غزلا لآخر لينسجه بنصفه) أي بنصف الغزل (أو استأجر بغلا ليحمل طعامه بعضه، أوثورا ليطحن بره ببعض دقيقه) فسدت الكل، لأنه استأجره بجزء من عمله." [2]

هذا مذهب الحنفية، ويوافقه مذهب الشافعية. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى:"لا يجوز أن يجعل الأجرة شيئا يحصل بعمل الأجير، كما لو استأجر السلاّخ ليسلخ الشاة بجلدها، أو الطحان ليطحن الحنطة بثلث دقيقها، أو قاطف الثمار بجزء منها بعد القطاف، أو لينسج الثوب بنصفه، فكل هذا فاسد." [3]

(1) بدائع الصنائع ج:4 ص:46 طبع مكة المكرمة، كتاب الإجارة

(2) الدر المختار مع ابن عابدين ج:6 ص:.56

(3) روضة الطالبين ج:5 ص:176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت