وحجة هؤلاء الفقهاء في ذلك مأ أخرجه الدار قطني في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نهى عن عسيب الفحل، زاد عبيدالله: وعن قفيز الطحان. [1]
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التلخيص وقال:"وفي الإسناد هشام أبو كليب رواية عن ابن ابي نعم عن أبي سعيد لايعرف قاله ابن القطان والذهبي، وزاد: وحديثه منكر. وقال مغلطاي: وهو ثقة، فينظر فيمن وثقه، ثم وجدته في ثقات ابن حبان" [2]
ولكن الحديث ليس مداره على هشام أبي كليب فقط، لأنه تابعه عطاء بن السائب فيما أخرجه الطحاوي رحمه الله في مشكل الآثار من طريق الإمام أبي يوسف عن عطاء بن السائب عن ابن ابي نعم، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"أنه نهى عن عسب التيس وكسب الحجام، وقفيز الطحان" [3] وقال الشيخ العثماني التهانوي رحمه الله"وهذا سند جيد". [4]
وفسره الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وهو أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين. وقيل: هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها. [5]
وعلله الحنفية والشافعية بأن الأجرة إن كانت من نفس الطحن صار الأجير يعمل لنفسه، وهو موجب لفساد الإجارة عندهم كما سبق في نصوصهم الفقهية.
أما المالكية والحنابلة، فالظاهر أنهم جوزوا مثل هذه الإجارة ما دامت الأجرة معلومة، فمجرد كون الأجرة تحدث بفعل الصانع لايفسد الإجارة عندهم، إلا إذا أدى ذلك إلى جهالة الأجرة. ولذلك فرقوا بين الطحن بصاع من الطحين، حيث يجوز عندهم لكون الصاع معلوما، وبين سلخ الحيوان بجلده حيث لايجوز لما فيه من جهالة صفة الجلد، فقال الدردير المالكي رحمه الله:" (و) جاز (صاع دقيق) يدفعه رب القمح ونحوه لمن يطحنه له (منه) أو من غيره في نظير طحنه (أو) صاع (من زيت) يدفعه رب الزيتون لمن يعصره له أجرة لعصره (لم يختلف) أي إذا لم يختلف كل من الحب أو الزيتون في الخروج، فإن اختلف بأن كان تارة يخرج منه الدقيق أو الزيت، وتارة لا، منع للجهالة". [6] "والمشهور في مسألة الدقيق جواز الإستئجار بصاع منه الخ" [7]
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى:"قال ابن عقيل: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قفيز الطحان، وهو أن يعطى الطحان أقفزة معلومة ليطحنها بقفيز منها، وعلة المنع أنه جعل له بعض معموله أجرا لعمله، فيصير الطحن مستحقا له عليه، وهذا الحديث لا نعرفه ولا يثبت عندنا صحته، وقياس قول أحمد جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل". [8]
وقال في موضوع أخر:"قال أحمد رحمه الله في رواية منها: لابأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس مايخرج منه، وهو أحب إلي من المقاطعة، إنما جاز ههنا لأنه"
(1) سنن الدار قطني ج:3 ص:47 حديث 195 من كتاب البيوع وأخرجه أيضا البيهقي في سننه الكبرى ج:5 ص:339.
(2) تلخيص الحبير ج:3 ص:60 حديث 1286.
(3) مشكل الآثار للطحاوي ج:2 ص:302.
(4) إعلاء السنن للتهانوي ج:16 ص:181.
(5) تلخيص الحبير ج:3 ص:60.
(6) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي ج:4 ص:9.
(7) مواهب الجليل للحطاب ج:5 ص:398.
(8) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير، كتاب المضاربة ج:5 ص:119 طمع بيروت