-الوجه الثالث: أنه قال: {يدنين عليهن} ، فالفعل عدي بـ"على"، وهو يستعمل لما يكون غطاؤه من أعلى إلى أسفل، فدل بذلك على أن الإدناء يكون من على الرأس، منسدلا، حتى ينزل على الوجه، وبهذا المعنى قال جمع من أهل اللغة:
-كالزمخشري حيث قال في تفسير هذه الآية:"يرخينها عليهن، ويغطين وجوههن، وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك إلى وجهك".
-وأبو حيان الأندلسي، حيث قال في تفسيرها:" {عليهن} شامل لجميع أجسادهن، أو {عليهن} ، على وجوههن؛ لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه".
وإلى القول بدلالة الإدناء على التغطية ذهب كل منهم: ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومحمد بن سيرين، وابن علية، وابن عون. قال ابن عباس رضي الله عنهما:"أمر الله نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة"، وسند هذه الرواية صحيحة عند الأئمة: أحمد، والبخاري، وابن حجر. ورواها ابن جرير في تفسير الآية.
كما تظاهر المفسرون على تفسير الإدناء بتغطية الوجه، متابعة لابن عباس، منهم: ابن جرير، والجصاص، وإلكيا الهراس، والزمخشري، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي الكلبي، وابن تيمية، وابن حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي، وجلال الدين المحلي، فكل هؤلاء وغيرهم ذهبوا إلى تفسير الإدناء في الآية بتغطية الوجه؛ وذلك أنهم اعتمدوا في تفسيرها على قول ابن عباس رضي الله عنهما الآنف.
-قال الله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} .
هذه الآية دلالتها محكمة على التغطية، يتبين ذلك بالأوجه التالية:
-الوجه الأول: في الآية جاء الفعل"ظهر"الدال على عدم القصد والاختيار، وليس"أظهر"الدال على القصد والاختيار، فالاستثناء يعود إلى ما يظهر من المرأة، من زينتها، بدون قصد، فلا يحمل على الوجه إذن، لأن الوجه يظهر بقصد.