فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 157

والمتاعب، فقد التهم الحياة كوحشٍ جائع، وأقبل بشرهٍ كبير على العمل، إلى أن وجد نفسه صريعَ الإرهاق ... ونصحه الطبيبُ أن يستجمَّ ويستريح في مكانٍ هادئٍ، يُريح أعصابه من ضوضاء المدينة.

اتجه بسيارةٍ صغيرة وبيده حقيبةُ ثيابه، وراح ينتقل من مَصيف لآخر، ينعم بالراحة والهدوء، إلى أنّ وصلَ قريةٍ يهرولُ الناس إليها للاستجمام والمعالجة، وهناك لا يدري كيف ساقه القدر إلى مشفاها الشهير، رغم أنَّه ليس بحاجة إلى ذلك، وبعدَ الفحص أحالوه إليها -هي- كان وجهها مألوفًا لديْه، وإن كان لا يذكرُ من أين ومتى عرفَ صاحبته!

تأمَّلته مليًا، وهزَّت رأسها ببطءٍ، وكأنَّها تتذكر شيئًا، ثم سألته إن كان من مدينة ... فأومأ لها بالإيجاب ... فقالت له: ألست المهندس أحمد صاحب الشرفة؟!

ردّته عبارتُها إلى الماضي ... وتذكَّرها وهي تقرأُ وتبكي ... وتطلَّع إلى يدها اليمنى يبحثُ عن خاتمٍ يطوِّقُ إصبعَها، وارتدَّ بصرُه خائبًا، وبحث عن إصبع اليد الأخرى التي كانت مدسوسةً في جيب ردائها الأبيض، محدِّثًا نفسه: لعلّها تزوَّجت؟!

ثم مالبث أن رأى ملامحها تكتسي بنقاب من الجدِّ والصلابة، وأنهت المقابلة بالنداء على المريض التالي ... خرجَ، بينما ظلّت أفكاره تحومُ حولها ... وتساءل عن سبب اهتمامه بها؟ ... وبعد محاولات متعددة أقنع نفسه؛ لأنَّه لا يعرف غيرَها في هذه المنطقة.

وتكرَّرت زياراتُه لها ... ونبتْت الأُلفة بينهما، ونمتْ بهدوء، وأعجبَ بوداعتها، وأتيحَ له أن يرى يدها اليسرى فكانت خاويةً بلا طوق ... وظلَّ ستارُ مخملي أسود يغلف حياتها ... ودفعه الفضولُ لإزاحة هذا الستار، محاولًا أن يصلَ إلى الأسباب، ولكنَّها كانت تعرف كيف تصدُّه برفقٍ، وتحوِّل مجرى الحديث وجهةً أخرى.

وسألها مرّة لم لا تتزوجين؟ وأردف بسؤال آخر ...

فاربَّد وجهُها، ولم تجب، واكتفت بأن هزّت رأسها ببطء ... وبعد لأيٍ تحدَّثت حديثًا فلسفيًا نفسيًا عميقًا غيرُ مقنع، حيث لم تتمكن هي من إقناع نفسها، لأنَّها بدت أسيرةً لخيالها المعتلِّ، الملجأ الوحيد الباقي الذي تفيء إليه، وحكَت وقالت الشيء الكثير ... وأخيرًا، تمتمت معتذرةً عما كشفته له من أحزانها.

وهكذا التقى المريضان؛ هو مريض الجسد، وهي مريضة الروح"وماأتعس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت