فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 157

أمّا رأسي، صندوق أفكاري، فامتلأ بالأفكار بعد أن كان خاويًا، ومع ذلك لن ينفجرَ كما كنّا نتوهّم قبلًا ... وعينايَ مملوءتان بالدموع، ومع ذلك تُبصران ... وقلبي مملوء بالحب وينبض بالحياة، وأحسُّ أنَّه يستطيع أن يحتوي العالم أجمع، وكلَّ مافي هذا العالم الكبير من بؤسٍ وألم، من تعاسة وشقاء، من محبِّةٍ وصفاء ..

وا أسفًا يا صديقي! على الأيام التي مرَّت يوم كنَّا نعيش كقطعٍ جليديةٍ دون أحاسيس، أمّا الآن أصبحتُ أحسُّ الحياة في إيماءةِ كلِّ طير، وأستنشقُ عبيرَها في كلِّ عطرٍ، وأتملّى جمالَها في كل ابتسامة خجلى، أو نظرةٍ حَييَّة، وحتى في كلِّ معنى هادئٍ حزين.

وأصبح للابتسامة والدمعة ألفُ معنىً ومعنى! أما ابتسامتُها -هي- فأصبحت تعني لديِّ ربيعًا لا يعرف القحط! وطيفُها مازال يمدُّ حياتي بكلِّ معنىً خالدٍ جميل لا يعرف الفناء! وحديثها ... و ... فللحبِّ أثر في تغير شخصية الفرد ويُجمل الحياة.

ونتساءل مَنْ -هي- هذه التي غيرَّت حياة أحمد وبدلت، ماشاء لها التغيير والتبديل؟ والجوابُ: إنَّها إيناس!!

ومن هي إيناس؟ وما قصَّتُها؟ وكيف تمَّ ذلك؟ فهذا مَسْردُ الرواية.

جـ- لمنزل أحمد شرفة تطلُّ على شارعٍ رئيسي في المدينة، يتأمّل من خلالها حركة الحياة ... وفي ليلٍ أسود كئيب، جلس يتأمل ماحوله، وأمامه في الجهة الأخرى نافذةٌ تطلُّ على الشارع، وعبرَها ضوء ساطع في الجوِّ القاتم ... رآها -هي- مُكبَّةً على شيء تقرؤهُ، غير عابئةٍ بالأعين التي تخترق الظلام إليها ... فتحرّك الفضول في أعماقه، ليتمادى عنقُه في تطاوله ... ، ورأى بيدها ورقةً، فقال في سرّه لعلّها رسالةٌ، وهي مُنصرفة إليها تطويها تارةً، وتنشرها أخرى، ثم تضمّها من جديد، وتُكبُّ على منضدتها حيث تسندُ رأسها وغدت لا ترفعه، وخالها تبكي.

أنهى دراسة الهندسة، ونأى عن بلده إلى أوربَّا لاستكمال اختصاصه، وافتقدته الشرفة، وافتقد صورتها ... ومرَّت الأيامُ في أوربا ولياليها كحلمٍ جميلٍ، نهل منها كلَّ ماكان بحاجةٍ إليه، فقد كان جائعًا ظامئًا، فلم يدع شيئًا إلاّ وتذوقه ... وعاد لوطنه بعد انتهاء اختصاصه ولا يدري كيف تذكَّرها -هي- وقد رأى النافذة مغلقةً ... وتساءل: أتَراهاعادت إلى أهلها؟ إلى أحضان بلدتها؟ ولكنْ من أي بلدةٍ هي؟ ..

ولم تمضِ سوى أيامٍ قليلةٍ حتّى غرق في خضمِ الحياة المفعم بالعمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت