وابتزّته، فلا يعقل من هذين اللفظين البتّة.
أرجو أن تعلموا أن في هذا المثال شيئًا آخر من جنس النظم:
وهو تعريف الرأس بالألف واللام ... وإفادته معنى الإضافة من غير إضافة شيب الرأس وهو أحدُ ما أوجب المزيّة ... ولو قيل: واشتعل رأسي فصرّح بالإضافة لذهب ببعض الحسن.
هكذا يحلّل الإمام عبد القاهر الجرجاني الصورة البيانية، وبهذه النظرة الشاملة ينظر إلى اللغة.
فاللغة عنده وحدة لا تنفصل فيها الصورة الشعرية عن التعبير الأدبي، بل هما كلّ لا يتجزأ، ولا تكتسب فضيلتها إلاّ من السياق، ولا تستمدّ قوّتها إلاّ من النظم.
ففهم الاستعارة، وتفسير معناها، لا يمكن تحقيقه إلاّ بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته ...
لقد عرفنا أيّها السادة؛ من تحليل عبد القاهر الجرجاني للمثال السابق. كيف أنّ استعارة الاشتعال للشيب ليس كلّ ما في المثال من روعة. لأنّ الاستعارة نفسها تتوافر في أكثر من تعبير، ومع ذلك تكتسب من كل تعبير على حدة، معنى خاصًا، وتأثيرًا مختلفًا، ففي كلّ من: واشتعل الرأس شيبًا، واشتعل الشيب في الرأس، واشتعل شيب الرأس، تتوفر الاستعارة، ومع توافر الاستعارة في كلّ جملة من الجمل الثلاث، نرى وظيفة، ودلالة، وتأثيرًا يخالف في كلّ جملة الأخرى.
-وعلى ضوء هذا التحليل الذي بسطه عبد القاهر الجرجاني.
-وعلى ضوء فكرة النظم عنده.
ننتهي إلى حقيقة لا سبيل إلى الشكّ فيها، وهي:
أنّ الفنّ ليس في الفكرة.
ولا في المعنى الأخلاقي الفلسفي.
ولا في المضمون بعامة، مهما تكن قيمة هذا المضمون.
وإنما الفنّ هو؛ في تطويع الشكل للمضمون، والمضمون للشكل، وفي ذلك إخضاع التجربة للصورة اللفظية، أوليست هذه هي البنيوية الحديثة حيث تزول فكرة الشكل والمضمون لتداخلهما معًا في لحمة واحدة؟؟
كلمتي الآن للأخوة الذين يتصدّون لنقد أي أثر أدبي، أقول: